روايات وقصص

أم جوزي بعتتلي رسالة على الخاص:3

مرت الشهور وسنوات العمر الأولى لطفلتي الصغيرة تسلل بخفة وجمال، وكأن الأيام تتعمد أن تعوضنا عن كل ليلة حزن عشناها سابقاً. أصبحت ابنتي تملأ أرجاء قصر أبي بالحيوية والبهجة، وتطورت خطواتها الأولى على الأرض المرمرية لتصبح ركضاً بريئاً بين ممرات الحديقة الخضراء. أما أنا، فقد وجدت نفسي تتجسد من جديد داخل عالم العمل والنجاح، مستندة إلى قوة أبي وحكمته، وإلى إصرار داخلي لا يلين على أن أكون الأمان المطلق لابنتي.

 

في ذلك العالم الجديد، كان اسم “العز العرب” يتردد باحترام، وكان اسمي يقترن بالنجاح والكفاءة في إدارة كبرى المشروعات العقارية والاستثمارية. لم يعد هناك مكان للضعف أو التردد؛ فكل قرار درسته بعناية وكل خطوة خطيتها كانت تثبت لنفسي وللجميع أن المرأة التي تترك لتواجه مصيرها وحدها، قادرة وحدها على بناء إمبراطورية من رماد الخذلان.

لكن الحياة، بتعقيداتها المستمرة، دائماً ما تخبئ فصولاً جديدة لا نتوقعها.

في أحد أيام الصيف، بينما كنت جالسة في مكتبي الواسع بالدور العلوي للشركات، أراجع تقارير الأرباح النصف سنوية، دخل سكرتير الخاص ومدير مكتبي، وبدت على وجهه علامات التردد والارتباك.

“يا فندم.. في شخص بره، رافض يمشي، وبيصر إنه لازم يقابل حضرتك ضروري، وبيقول إنه… من الماضي.”

رفعت رأسي من فوق الأوراق، ونظرت إليه بهدوء:

“من الماضي؟ مين ده يا رامي؟”

تلعثم قليلاً قبل أن يجيب:

“طليق حضرتك يا فندم… السيد فلان.”

لم تتحرك فيّ شعرة واحدة. لم يشعر قلبي بأي خفقان غريب، ولم ينتابني أي شعور بالغضب أو الخوف. كأنني كنت أسمع اسم غريب لقصة قرأتها في كتاب قديم وانتهيت منها منذ أمد بعيد.

أغلقت ملف الأوراق ببطء، وعدلت أزرار بدلتي الرسمية، ثم قلت بصوت حازم وثابت:

“دخله.. بس مش هنا، دخله في غرفة الاجتماعات الجانبية، قدامي عشر دقايق وأكون عنده.”

بعد عشر دقائق، فتحت باب غرفة الاجتماعات الجانبية بهدوء.

كان جالسًا على أحد الكراسي الجلدية الفاخرة، لكنه لم يعد ذلك الرجل المغرور الذي يملك ناصية الكون. الهيئة التي ظهر بها كانت مأساوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ شعره اكتست خصلات كثيرة منه بالبيض المبكر، ووجنتاه غائرتان، وبدلته التي كانت يوماً عنواناً للتباهي أصبحت واسعة عليه وكأنه فقد الكثير من وزنه وصحته.

عندما رآني أدخل، وقف بسرعة متردداً، وكأنه يرى ملكة وليست زوجة سابقة استخف يوماً بوجودها.

“أ… أهلاً…” قال بصوت متحشرج ومتقطع.

جلست على رأس الطاولة الكبيرة، ووضعت يدي الاثنتين أمامي بهدوء تام، ولم أدعه يجلس إلا بإشارة خفيفة مني:

“قعد يا فلان.. واختصر، وقصتي معاك خلصت من سنين، فايه اللي جابك هنا؟”

جلس ببطء، وكأن ظهره يحمل أطنانًا من الندم. شبك أصابعه المرتجفة ببعضها، وبكى بصمت، دموع حقيقية ومؤلمة:

“أنا… أنا جاي مش عشان أرجعك، ولا عشان أطلب منك تسامحيني… أنا عارف إن اللي عملته مفيش مسامحة فيه. أنا جاي… جاي أقولك إن أختي وأمي… تخلوا عني تماماً.”

رفعت حاجبي باهتمام طفيف، لكنني لم أبدِ أي تعاطف:

“تخلوا عنك؟ مش هم العيلة اللي كنت مفضلهم عليّ وعلى بنتي عشان عشاء عائلي؟”

ابتسم بمرارة، ابتسامة منكسرة تكسوها القسوة:

“العيلة دي يا فلانة… كانت بتحب الشكل قدام الناس بس. لما شركتي خسرت العقود الكبيرة، ولما فلوسي ضاعت في صفقات مشبوهة، ولما لقوا إن مفيش من ورايا فايدة… أمي قالت بالحرف الواحد إني ‘فاشل وبتعبها في عيشتها’، وأختي طردتني من الشقة اللي كنت كاتب نصها باسمها عشان تحمي نفسها من الديون. بقيت لوحدي… تماماً زي ما سبتك لوحدك يوم 6 أيام من ولادتك.”

سكت لثانية، ورفع عينيه المليئتين بالرجاء المكسور:

“دلوقتي بس عرفت يعني ايه ‘عيلة’ حقيقية.. وعرفت يعني إيه لما الإنسان يكون ملوش حد يقف جنبه. أنا كنت عايش في وهم يا فلانة… وهم إنهم بيحبوني، بينما هم بيحبوا الكرسي اللي كنت قاعد عليه بس.”

وقفت من مكاني، وعدلت أوراقي ببرود شديد، ونظرت إليه مباشرة في عيناه:

“جملتك صحيحة يا فلان.. كنت عايش في وهم، والصحوة بتاعتك متأخرة جداً. الكرسي اللي كنت بتبحث عنه وتفرط فينا عشان تقعد عليه، هو نفسه الكرسي اللي رماك بره القصة كلها.”

حاول أن يمد يده متوسلاً:

“أرجوكي… نظرة عطف، أو حتى مساعدة بسيطة.. أنا تايه في الشارع.. مشلاقي شغل.. مشلاقي بيت.”

سحبت يدي عنه، والتفت نحو الباب، وقلت بصوت هادئ وقاطع كالسيف:

“أنا بنيت حياتي وحياة بنتي فوق السور اللي انهد بسبب قسوتك. وأبويا علمني إن الإنسان اللي يبيع بيته عشان خاطر رضا ناس تانية، مالهوش مكان يرجعله. الباب اللي بره ده… مش بيتي، ومش بيتك. الله يقويك في طريقك.”

خرجت من الغرفة ولم ألتفت خلفي أبداً.

تركه خلفي يواجه مصيره المظلم وسط قاعات الشركة الكبيرة، بينما صعدت إلى مكتبي، فتحت درج المكتب، وأخرجت صورة صغيرة لطفلتي وهي تضحك بكل براءة ونقاء.

نظرت إلى الصورة، وابتسمت، وأدركت حينها أن النعمة الحقيقية ليست في كثرة الكراسي حول مائدة الطعام، ولا في رضا الناس المزيفين، بل في السلام الداخلي الذي يملأ روحك وأنت تعلم تماماً من أنت، ومن يقف بجانبك حقاً.

مرت السنوات وتوالت، وباتت ملامح ابنتي تزهر جمالاً وذكاءً، تشبه في خطواتها الواثقة نظرات أبي وثباته، بينما كانت إمبراطورية “العز العرب” تزداد رسوخاً وتوسعاً تحت إدارتي التي لم تعد تعرف المستحيل. القصر الكبير الذي استقبلني يوم انكساري، أصبح واحة من الحب والسلام والضحكات البريئة التي تملأ أرجاء المكان بلا خوف أو توجس.

لكن الحياة، في حكمتها البالغة، تأبى إلا أن تضعنا أمام اختبارات أخيرة، ليس لننتقم، بل لنغلق الدوائر المفتوحة ونتطهر تماماً من بقايا الماضي.

في أحد المساءات الهادئة، وبينما كنت أراجع بعض التقارير النهائية في مكتبي بالمنزل، دخل أبي بخطوات هادئة وبيده ظرف أبيض بسيط، بدو عليه علامات التأمل العميق. جلس على المقعد المقابل لمكتبي، ومدّ الظرف نحوي بصمت.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى