
“ايه ده يا بابا؟” سألتُه وأنا أتأمل الظرف الذي لم يكن يحمل أي أختام رسمية، بل خطاً يدوياً مألوفاً بشكل مؤلم.
تنفس أبي الصعداء وقال بصوت هادئ وموزون:
“رسالة وصلت للقصر من ساعة.. الحارس استلمها من شخص مسن، قال إنها تخصك وإنها أمانة لازم توصلك شخصياً قبل ما يفوت الأوان.”
فتحت الظرف ببطء. كان بداخلها ورقة رقيقة مخطوطة بحبر مهتز، وبخط اليد الذي طالما عرفت قسوته وبروده قديماً: خط أم طليقي.
بدأت أقرأ الكلمات التي كانت أشبه باعتراف متأخر ومكسور:
> *”إلى ابنتي… التي لم أعاملها يوماً بما تستهل، وإلى حفيدة لم أدرك قيمتها إلا بعد أن خلوتُ بنفسي.*
> *أكتب لكِ هذه السطور لا لأطلب منكِ مغفرة، فأنا أعلم جيداً أن ما ارتكبته بحقكِ وبحق طفلتك البريئة لا يُغتفر. بعد أن تخلى عنا الجميع، وبعد أن سقطت كل الأقنعة التي كنا نختبئ خلفها، لم يتبق لي سوى وحدتي القاتلة ومرض أثقل كاهلي. أدركت متأخراً جداً أن العائلة الحقيقية ليست تلك التي تُبنى على حساب كرامة الآخرين، وأن الكراسي الزائفة لا تدوم.*
> *ابني.. ذلك الرجل الذي غرق في غروره وضعفه، أصبح شبحاً يائهماً في الطرقات، نادمًا على كل ثانية فرط فيها في جنة كانت تسكن بيته. أما أنتِ، فقد أثبتِ أنكِ كنتِ الملكة الحقيقية، وأننا كنا مجرد عابري سبيل ضالين في حياتكِ.*
> *أنا أكتب لكِ لا لأعود، بل لأقول لكِ قبل أن أغادر هذا العالم: سامحينا، ليس من أجلنا، بل لكي تظلي دائماً تلك الروح النقية التي لم تلوثها قسوتنا.*
> *أم فلان.”*
>
سقطت الورقة من يدي بهدوء على سطح المكتب. لم تشعر عيني بأي دمعة حزن، ولم ينبض قلبي بأي حقد أو تشفٍ. شعرت فقط بموجة عارمة من السلام العميق، وكأن دائرة الألم قد أُغلقت للأبد، ولم يعد هناك أي أثر للماضي المظلم سوى درس قاسٍ علمني كيف أكون امرأة لا تُكسر.
نظر إليّ أبي بعينين مليئتين بالفخر والحنان، وسألني بصوت دافئ:
“هتعملي ايه يا بنتي؟”
ابتسمتُ، وأخذت الورقة وطويتها بإحكام، ثم وضعتها جانباً، ورفعت رأسي بثقة تامة:
“ولا حاجة يا بابا.. الصفحة اتكتبت، والقصة خلصت، والماضي بلغ نهايته الطبيعية. أنا مش زعلانة منها، ولا حتى من ابنها.. لأن اللي زي دول خسروا كل حاجة، وأنا كسبت كل حاجة.”
وقف أبي، واقترب مني، وطبطب على كتفي بحرارة:
“كنتِ دايماً أقوى مما كنت أتخيل.. والآن، حان الوقت لنلتفت لحاضرنا الجميل ومستقبلنا اللي لسه بيبتدي.”
قمت من مكاني، وذهبت إلى غرفة طفلتي النائمة بسلام، انحنيت وقبلت جبهتها الناعمة، وهمست لها بصوت خافت لا يسمعه سواها:
“اطمني يا حبيبتي… إحنا في أمان، والدنيا دي كلها بقت تبتسم لنا.”
السنوات مضت حاملة معها طمأنينة عجيبة، كأن الأقدار أرادت أن تعوضنا عن كل ليلة حزن عشناها في الظل. ابنتي أصبحت اليوم طفلة ذكية، تملأ أرجاء قصر أبي بضحكاتها الصافية وخطواتها الواثقة التي تشبه تماماً ثبات جدي وحكمته. أما أنا، فقد وجدت ذاتي الحقيقية بين أروقة “العز العرب”، حيث أصبحت أدير إمبراطورية العقارات والاستثمار بكفاءة واقتدار، لا كشخص يثبت شيئاً للآخرين، بل كامرأة عرفت قيمتها جيداً فلم ترضَ بأقل من القمة.
في أحد أصيل ربيعي هادئ، كنت جالسة في الحديقة الواسعة، أتأمل شتلات الورد البيضاء التي أمر أبي بزراعتها خصيصاً لتزهر تحت نافذتي. اقترب مني أبي، وعيناه تلمعان بذلك البريق الذي يحمل كل معاني الفخر والرضا، وجلس على المقعد المجاور لي.
“يا بنتي،” قال بصوت دافئ يملؤه الحنان، “الورد ده بيفكرني بيكِ.. دايماً بيطلع من بين الصخر، أجمل وأقوى.”
ابتسمت وأنا أضع يدي في يده الخشنة التي طالما حمتني:
“لولاك يا بابا، ولولا الستر والأمان اللي رجعت لقيتهم هنا، مكنتش بقيت أنا.”
وقبل أن نكمل حديثنا، جاء الحارس القديم، بخطواته الهادئة المعتادة، وحمل في يده جريدة محلية وبضع أوراق رسمية، وتقدم منا باحترام.
“أنا آسف يا فندم على المقاطعة، بس في خبر صغير في الصفحة الاقتصادية… حسيت إن لازم سيادتك تشوفيه بنفسك.”
تناول أبي الجريدة، ونظر إلى الصفحة المطلوبة، ثم ناولهالي بملامح هادئة خالية من أي شماتة.
نظرت إلى العنوان البارز في أسفل الصفحة:
*”إعلان إفلاس وبيع بالمزاد العلني لأملاك إحدى العائلات المحلية بعد تراكم الديون القضائية…”*
وتحت العنوان، كانت هناك تفاصيل صغيرة، وصور لبيت قديم تم الحجز عليه لتسوية مستحقات قانونية متراكمة. البيت نفسه الذي تركت فيه يومًا طفلتي وحقيبتي الصغيرة، البيت الذي ظنوا فيه يوماً أنهم أسياد المكان وأن كراسي سفرتهم تضيق بنا.
لم تتحرك فيّ أي مشاعر سلبية، لا غضب، ولا فرحة انتقام، بل شعرت بسكينة مطلقة. تذكرت رسالة أم طليقي القديمة، وتذكرت جشعمهم ووهمهم الذي عاشوا فيه. أغلقت الجريدة ببطء، ووضعتها على الطاولة بجانبي دون أن أولها أي اهتمام إضافي.
سألني أبي بنبرة هادئة:
“زعلانة؟”
هزيت رأسي بالنفي، وابتسمت بكل ثقة:
“لأ يا بابا.. بالعكس، حسيت إن الدائرة اتقفلت تماماً. كل واحد خد اللي زرعه.. هم زرعوا القسوة والتعالي فحصادهم كان الفراغ والخراب، وإحنا زرعنا الصبر والكرامة فحصادنا هو النور والأمان.”
في تلك اللحظة، ركضت ابنتي نحونا، تضحك بصوت عذب، وحملت في يدها زهرة بيضاء صغيرة قدمتها لي بحب قائلة:
“دي ليكي يا ماما.. عشان إنتي أحلى ماما في الدنيا!”
رفعتها بين أذرعي، وعانقتها بقوة، وأنا أنظر إلى أبي، ثم إلى امتداد الحديقة الواسعة والقصر الذي يضمنا بكل دفء. أدرت ظهري لكل صفحات الماضي المؤلمة، وأيقنت بملء فيها أن القصة الحقيقية لا تبدأ إلا عندما ندرك أننا لسنا مجرد كراسي على مائدة الآخرين، بل نحن المائدة، ونحن الدار، ونحن الأمان كله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



