
أنا دكتورة نسا وتوليد، وفي يوم دخلت عليّا واحدة العيادة علشان تكشف، وفاجئتني وهي بتقول بمنتهى البرود: أنا حامل من جوزك، ولازم تطلقي منه! هو دلوقتي بقى ليا أنا! لكن تاني يوم الصبح، نفس الست اتصلت بيا وهي بتصرخ بهستيريا: إنتِ عملتي إيه؟! إنتِ إزاي تعملي فيّا كده؟!
واللي حصل بين المكالمتين كان حاجة عمري ما كنت أتخيلها!
أنا دكتورة نسا وتوليد، ولحد اليوم ده كنت مقتنعة إن جوازي مثالي، وإن ربنا رزقني براجل بيحبني وبيحترمني.
كنا متجوزين بقالنا اتناشر سنة، وبنشتغل في نفس المستشفى.
جوزي كان دكتور هو كمان، وكان رئيس قسم الجراحة في المستشفى.
ورغم منصبه الكبير ومسؤولياته الكتير، عمره ما بطل يهتم بيا….كان كل يوم الصبح يجيبلي القهوة قبل ما أنزل شغلي، وقبل ما ننام يبوس راسي ويقولي: ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي…كنت فاكرة إن حياتنا مستقرة، وإن مفيش حاجة في الدنيا ممكن تهز ثقتي فيه.
لحد ما جه يوم التلات اللي قلب حياتي كلها! دخلت عليّا العيادة مريضة جديدة، بنت شابة لابسة فستان ضيق مبيّن بطنها الكبيرة، وكان واضح إنها في شهور متقدمة من الحمل.
قعدت قدامي على الكرسي، وبصتلي بثبات غريب، وسألتني: إنتِ مرات الدكتور رئيس قسم الجراحة، صح؟
استغربت السؤال، لكن رديت بهدوء: أيوه، أنا مراته… خير؟
ابتسمت ابتسامة مستفزة، وقالت: أنا حامل، وقبل ما تسأليني حامل من مين، أحب أقولك إن أبو اللي في بطني هو جوزك!
حسيت إن الدم نشف في عروقي! فضلت باصة لها من غير ما أنطق، وهي كملت بمنتهى الثقة: وبالمناسبة، أنا مش جاية أطلب منك حاجة… أنا جاية أقولك إنك لازم تطلّقي منه، لأنه خلاص بقى ليا أنا!
حاولت أتماسك، وسألتها بصوت هادي بالعافية: إنتِ حامل في الشهر الكام؟
ابتسمت بسخرية وقالت: في شهر يخليكي تفهمي إن علاقتنا مش جديدة!
كنت حاسة إن إيديا بتترعش، لكن رفضت أديها فرصة تشوف ضعفي… كملت الكشف والإجراءات المطلوبة بمنتهى المهنية، كأني قدام مريضة عادية، رغم إن كل كلمة قالتها كانت بتقطع في قلبي.
ولما خرجت من العيادة، فضلت قاعدة مكاني فترة طويلة.
أول حاجة فكرت فيها إني أتصل بجوزي وأواجهه. لكن مسكت الموبايل ورجعته تاني.
لأ… مش دلوقتي! كنت محتاجة أفهم الحقيقة الأول.
في الليلة دي، جوزي رجع البيت متأخر بعد عملية جراحية طويلة.
دخل وهو مبتسم، وقرب مني وباس خدي وقال: إيه يا حبيبتي؟ يومك كان طويل؟
بصيتله وقلت في سري: إنت متعرفش أنا شفت إيه النهارده!.. لكني اكتفيت إني أقوله: اطول مما تتخيل…
كان جايب معاه العشا من المطعم اللي بححبه، وحطه قدامي وقال: يلا ناكل سوا، أنا عارف إنك أكيد مأكلتيش كويس النهارده…
لكن الأكل كان واقف في زوري.
لاحظ سكوتي وسألني: مالك يا حبيبتي؟ فيكي حاجة؟
هزيت راسي وقلت: لأ، بس تعبانة شوية.
بعد العشا دخل ينام بدري من شدة الإرهاق… أما أنا، ففضلت قاعدة على طرف السرير، ببصله وهو نايم، وبسأل نفسي سؤال واحد: معقول الراجل اللي عشت معاه اتناشر سنة، واللي كنت مأمناه على عمري كله، يكون بيخوني بالشكل ده؟!
ولأول مرة من يوم جوازنا، مدّيت إيدي وخدت موبايله وهو نايم. كنت عارفة الرقم السري… فتحته، وقلبي بيدق بعنف.
بدأت أفتش في الرسايل والمكالمات، وأنا متوقعة ألاقي كلام حب أو صور أو أي دليل على علاقته بالست دي. لكن اللي لقيته كان أغرب بكتير من كل توقعاتي!
فضلت أبص في الشاشة مش مصدقة اللي شايفاه. الموضوع مكنش مجرد خيانة زي ما كنت فاكرة… كان فيه سر تاني، وسؤال أخطر بكتير مكنش جه في بالي أصلًا!
أخدت صور للشاشة علشان أحتفظ باللي شفته، وقفلت الموبايل ورجعته مكانه بالظبط.
وبعدها خرجت على أطراف صوابعي للمطبخ. مسكت تليفوني، واتصلت برقم معين.
ولما الطرف التاني رد، قلتله بصوت واطي: محتاجة منك خدمة ضروري… ولازم تتعمل قبل الصبح!
قفلت المكالمة ورجعت أوضتي.
الغريب إني المرة دي قدرت أنام!
تاني يوم الصبح، صحيت ولبست هدومي ونزلت المستشفى في معادي المعتاد، وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
لكن الساعة سبعة وتمنتاشر دقيقة بالظبط، موبايلي رن.
بصيت للشاشة، ورديت بهدوء… وأول ما سمعت الصوت، عرفتها فورًا… كانت نفس الست الحامل اللي دخلت عليّا العيادة امبارح!
لكن المرة دي مكنتش بتتكلم بغرور ولا ثقة.
كانت بتصرخ بصوت مليان رعب وغضب: إنتِ عملتي إيه؟! ردي عليّا! إنتِ عملتي فيّا إيه؟!
وساعتها بس، عرفت إن المكالمة اللي عملتها بالليل جابت نتيجتها…
لكن اللي كانت لسه متعرفوش، إن الحقيقة اللي اكتشفتها كانت أخطر بكتير من حكاية حملها من جوزي!
دخلت المستشفى وأنا حاسة إن خطواتي أخف بكتير من كل يوم. الهلع اللي حسيت بيه امبارح بالليل اتحول لبرود غريب، نوع من الهدوء اللي بيسبق العاصفة الكبيرة. دخلت مكتبي في قسم النسا والتوليد، وطلبت من الممرضة إنها تبلغني أول ما مريضات العيادة الخارجية يكتمل حضورهم، وإني مش عايزة أي إزعاج لحد ما أنظم ملفاتي.
قعدت على مكتبي، وفتحت درج المكتب عشان أطلع التلفون التاني اللي كنت مخبياه هناك — تلفون قديم بشريحة غير مسجلة باسمي، وهو نفس الجهاز اللي استخدمته امبارح بالليل بعد ما جوزي نام. فتحت صور الشاشة اللي أخدتها من تراجع موبايله، وقرأت الرسائل والمحادثات تاني، كأني كنت بخاف أنسى تفصيلة واحدة.
الرسائل ماكنتش مجرد غزل أو اتفاق على خيانة عادية؛ دي كانت مكالمات مسجلة ورسائل نصية متبادلة بينه وبين شخص تاني، مش البنت اللي دخلت العيادة وبس! الأدهى من كده، والسر المرعب اللي قلب موازين اللعبة كلها، هو إن جوزي، رئيس قسم الجراحة اللي الكل بيحترمه، مكنش هو الأب الحقيقي للطفل اللي في بطن البنت دي من الأساس!
الرسائل كانت بتكشف مؤامرة تانية خالص؛ البنت دي كانت مجرد أداة، أو شريكة في خطة مدبّرة لابتزاز جوزي مادياً ومعنوياً، بالتعاون مع شخص تالت جوه المستشفى نفسها. جوزي نفسه كان واقع في الفخ ده وبيحاول يهرب منه، وكان مهدد بصور وفضايح تخص شغله وسمعته الطبية. والاتصال اللي عملته امبارح بالليل متأخر، كان لرئيس مباحث الآداب والمعلومات اللي تربطني بيه صداقة أسرية قديمة، وطلبت منه فحص سريع لخط البنت دي والشبكات المرتبطة بيها. النتيجة اللي وصلتني في مكالمة سرية سريعة قبل ما أنام هي إن البنت دي مسجلة في قضايا نصب وابتزاز، وإنها كانت متفق عليها توقع جوزي في شباك شبكة منظمة لابتزاز الأطباء الكبار في المستشفيات الاستثمارية!
عشان كده، لما اتصلت بيّا وهي بتصرخ بصوت مليان رعب وغضب وقالت: “إنتِ عملتي إيه؟! ردي عليّا! إنتِ عملتي فيّا إيه؟!”، كنت عارفة كويس إيه اللي حصل. المباحث اتحركت بسرعة وخدت بلاغ رسمي بالابتزاز والتلبس في قضية تانية تخص نفس العصابة، وده جابهم على ملا وشهم قبل ما يفكروا ينفذوا باقي خطتهم على جوزي.
رديت عليها بصوت هادي جدًا، بارد، وخالي من أي مشاعر:
صوتك عالي ليه يا مدام؟ هو انتِ كنتِ مفكرة إنك لما تدخلي عيادة دكتورة نسا وتوليد وتلعبى الدور ده، هتاكلي بعقلها حلاوة؟ ولا فاكرة إن جوزي الراجل الطيب الساذج اللي مش فاهم حاجة؟
سكتت لحظة، والصراخ اتحول لشهقات خوف وهي بتقول بصوت مرتعش:
إنتِ… إنتِ بلاغتي البوليس؟! إنتِ مجنونة؟! ده جوزك هيروح في داهية معاكي!
ضحكت بسخرية وقعدت على كرسي المكتب وأنا بضبط نظارتي الطبية، وقلت لها بصوت حاد:
جوزي، أنا أعرف أتعامل معاكي ومعاه كويس أوي… بس طالما فتحتي النار على بيتي، اتحملي بقى اللي جاي. البوليس دلوقتي في الشقة اللي كنتِ مقابلة فيها شريكك، وكل المستندات والفيديوهات بقت في ايدينا.
قفلت السكة في وشها من غير ما أسمع بقية كلامها، ورجعت التلفون مكانه.
بعد دقيقتين بالضبط، باب العيادة خبط، ودخلت الممرضة وهي باينة عليها علامات التوتر وقالت بصوت واطي:
دكتورة… دكتورة… جوزك، الدكتور إيهاب… رئيس القسم، واقف بره فيريد يدخل لحضرتك حالًا، ويبدو عليه إنه مش في دنيته خالص!
قلبي دق دقة سريعة، لكن وشي فضل ثابت. بصيت للممرضة وقلت بهدوء تام:




