
دخليه فورًا يا فلانة… وقولي محدش يدخل علينا نهائي، مهما حصل.
انفتح الباب، ودخل الدكتور إيهاب. شعره كان منكوش شوية، ووشه شاحب وأصفر تمامًا، وعينيه تايهة كأنه لسه شايف شبح. قفل الباب وراه بسرعة، وبص لي بنظرة كلها رجاء وتوسل عمر ما شفتها في عينيه طوال اتناشر سنة جواز.
قرب مني بخطوات بطيئة، ووقف قدام مكتبي، وبلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مكسور:
أنا… أنا في مصيبة يا هند… أنا محتاجك تقفي جنبي.
فضلت قاعدة مكاني، حاطة إيد على إيد، وبصيت له ببرود تام، وسألته بصوت هادئ ومستفز:
مصيبة إيه يا إيهاب؟ هو إحنا لسه شوفنا حاجة؟ دنا لسه بقول بسم الله الرحمن الرحيم!
بص لي بدهشة وخوف كبيرين، ووشه اصفر أكتر وهو سامعني بتكلم بثقة تامة ومش متعصبة زي ما كان متوقع. مد إيده الاتنين على المكتب ونزل على ركبه قدامي، وبص في عيني بصوت منهار:
انتي… إنتي عرفتي؟! انتي عرفتي إيه يا هند؟! أرجكي اسمعيني… الموضوع مش زي ما انتي فاكرة، والله العظيم ما خطفتني ولا ضغطت عليّا بإرادتي، دي عصابة! دي ناس مزورة وكلاب مال!
قمت من على الكرسي ببطء، ووقفت قدامه وأنا باصة له نظرة كلها شفقة واحتقار في نفس الوقت، وقولت بصوت حاد:
عصابة يا إيهاب؟! دي الكلمة اللي قدرت تطلعها بعد اتناشر سنة جواز؟! يعني مشكلتك دلوقتي إنها عصابة مش مجرد واحدة جابتها لحد عندي العيادة عشان تبتزني وتطلقني؟! ولا مشكلتك إنهم كشفوك ومسكو عليك صور وفيديوهات في مواقف غير لائقة، وكنت ماشي ورا ضعفك وغبائك لحد ما بقيت مسخرة في إيد شوية نصابين؟!
قام واقف بعصبية وترعش، وقال بصوت عالي شوية وهو بيبص حواليه على باب العيادة بخوف:
وطي صوتك! وطي صوتك الله يخليكي! لو الحكاية دي طلعت بره أسوار المستشفى، مستقبلي هيتدم، واسمي اللي قعدت سنين أبنيه هينزل في الأرض! أنا كنت باخد الفلوس دي وبعطيهما غصب عني.. كانوا مهددني بمراتي، كانوا مهددني بكياني كله!
ضحكت بسخرية لاذعة، وربعت إيدي الاتنين قدام صدري، وقلت:
مراتي؟! دلوقتي بقيت تفتكر إنك متجوز وعندك بيت ومراتك دكتورة بتصونك وتحترمك؟ لما كنت بتسهر بره ولما كنت بتسلم رقبتك للمستهترين، مكنش بيصعب عليك سنين العمر اللي ضيعتها معاك؟ على العموم تطمن يا دكتور إيهاب… البوليس قبض على البنت دي من شوية، وشريكها كمان اتقبض عليه، وكل الملفات والمستندات اللي بتدينكم بقت في النيابة، وبلغت رئيس مباحث الآداب بكل تفاصيل الابتزاز، يعني اسمك كده كده هيتداول في التحقيقات، بس الفرق إنك هتبقى “المجني عليه المبتز” بدل ما تتقبض بتهمة المشاركة، وده أقصى اللي ممكن أقدمه لك عشان اسم ابني وبنتنا… أقصد عشان عشرة السنين!
فتح عينيه على آخرها من الصدمة، ووقع على الكرسي اللي وراه كأن حد ضربه على دماغه، وبدأ يترعش بعنف وهو بيحاول يستوعب الكارثة:
النيابة؟! يعني… يعني الموضوع اتفضح رسمي وخلاص اتقبض عليهم وهتحقق معايا؟! إنتي عملتي فيا كدة يا هند؟! إنتي دمرتيني!
أنا مدمرتكش يا إيهاب.. أنت اللي حفرت قبرك بإيدك لما فكرت إنك أذكى من الكل، وإنك ممكن تلعب بالنار وتطلع حارقك من غير ما تلسعك.
قبل ما يلحق يرد أو ينطق بحرف واحد، باب العيادة اتفتح فجأة بقوة، وظهرت الممرضة ومعاها شخصين بملابس مدنية، تبين فوراً من طريقتهم إنهم مباحث. بص أحدهم لإيهاب وقال بصوت جدي:
الدكتور إيهاب المنشاوي؟
إيهاب بصلهم ووشه بقى أبيض زي الكفن، وبلع ريقه بصعوبة ومرت تعبيرات الرعب على ملامحه وهو شايفهم بيطلعوا كارنيهاتهم الرسمية. العسكري تقدم خطوة، وبص لي أنا الأول بإيماءة احترام سريعة كأنه بيأكد لي إن الأوامر اتنفيذت، وبعدين وجه كلامه لإيهاب:
معانا أمر ضبط وإحضار ليك على ذمة القضية… بتهمة التستر والتعامل مع شبكة ابتزاز ونصب كبرى، اتفضل معانا بهدوء من غير مشاكل.
إيهاب لف راسه بسرعة وبصلي بنظرة كلها توسل واسترحام، كأن بيطلب مني كلمة واحدة أنقذه بيها من اللحظة دي، لكن أنا لفيت وشي للناحية التانية وبدأت أرتب أوراقي بهدوء كأنه مش موجود أصلاً، وقولت للممرضة بصوت هادئ:
وصلي الدكتور لبرة العيادة مع الضباط، وقولي لحالات الكشف إن العيادة هتقفل لمدة ساعة لحد ما أستعيد هدوئي.
خرج إيهاب وهو ماشي زي المربوط، وراسه في الأرض، وخطواته تتقل وتتثاقل مع كل خطوة بيقرب بيها من باب الخروج. لما الباب اتقفل وراهم، حسيت أخيرًا بنسيم الهوا البارد بيدخل صدري، كأن جبل كبيير كان قاعد على قلبي واتزاح في ثواني.
قعدت على كرسي مكتبي، وفتحت درج المكتب تاني، وطلعت سلسة دهب قديمة كانت غالية عليا أوي، وبصيت فيها وأنا ببتسم لنفسي.. دي كانت البداية وبس، والصفحة دي اتقفلت للأبد، بس اللي مكنتش أعرفه إن المفاجأة الحقيقية لسه مستنياني في البيت لما أرجع بالليل!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




