روايات وقصص

دكتورة نسا وتوليد حكايات اسما 2

رجعت البيت بالليل، وكنت حاسة بتعب غريب في كل عضم جسمي. اليوم كان طويل ومملوء بالأحداث اللي تهد جبال. فتحت باب الشقة ودخلت، وكان البيت هادي جداً، ظلام مطبق، وريحة البخور القديمة اللي كنت بحبها مش موجودة. استغربت في الأول، خصوصاً إن الروتين اليومي بتاعنا كان بيمشي بنظام دقيق.
قلعت كوتشي ورميت شنطتي على ترابيزة الصالة، ودخلت أول أوضة قابلتني وأنا بقول بصوت عالي نسبياً:

 

إيهاب… أنا رجعت.
مفيش أي رد. البيت كان ساكن بطريقة مرعبة. فضلت ماشية بخطوات بطيئة لحد ما وصلت لأوضة النوم الرئيسية. النور كان مقفول، ومديت إيدي على مفتاح النور وولعته… وهنا كانت الصدمة الكبيرة اللي صدمتني أكتر من كل اللي حصل الصبح!
السرير كان متفرّش كله باوراق ومستندات، ودولاب الهدوم كان مفتوح ومتبهدل بطريقة غريبة. بس مش ده اللي لفت نظري… اللي جمد الدم في عروقي هو إن كل دهب العيلة، وكل الفلوس والتحويشة اللي شقينا فيها طول اتناشر سنة، والورق المهم الخاص بالأملاك والعقارات اللي كنا شارينها بالنص، كان كله مسروق ومتطير من مكانه!
جريت على التسريحة وفتحت الدرج السري اللي كنت حاطة فيه أوراق خاصة جداً، ولقيته فاضي تماماً! مفيش غير ورقة واحدة صغيرة مكتوبة بخط إيد إيهاب، محطوطة في النص تماماً.
قلبي دق بجنون، وإيديا كانت بتترعش وأنا بمدها عشان أموت في الورقة وأقرأ اللي فيها. مسكتها وفتحتها، ولقيته كاتب بخط مهزوز:

“يا هند… لو قريتي الورقة دي، يبقى معناه إنك نفذتي اللي في دماغك وبعتيني للبوليس. بس تحبي تعرفي الحقيقة كاملة؟ البنت اللي جات العيادة دي مش عصابة ولا نصابة… دي مراتي الثانية اللي متجوزها بعلمك وبفلوسك، واللي انتي دمرتيها ودمرتيني معاها. والشغل اللي عملتيه مع المباحث ده رجع عليكي بوبال، لأن الفلوس والدهب اللي في البيت مش بتاعي لوحدي… دي كانت ضمان لمستقبل عيالي منها، وفلوس الناس اللي انتي فاكرة إنهم عصابة! أنا مش هسكت على اللي عملتيه، ولسه اللي جاي أهول بكتير!”

قريت الكلمات دي وعيني بتطلع شرار. حسيت إن الأوضة بتلف بيا، وإن السقف نازل يطبق على صدري. يعني إيه متجوزها بعلمي وبفلوسك؟! يعني إيه عياله منها؟!
لكن قبل ما ألحق أستوعب الصدمة، أو أفكر حتى أعمل إيه، سمعت صوت تكة غريبة جاية من ناحية باب الشقة الرئيسي… صوت قفل الباب وهو بيتفتح بمفتاح!
بسرعة البرق، خبيت الورقة في جيبي، ووقفت ورا باب أوضة النوم وأنا ماسكة فازة زجاجية تقيلة من على الكومودينو بكل قوة، وفتحت عيني على مصراعها وأنا سامعة خطوات تقيلة بتقرب من الأوضة بخطوات ثابتة ومخيفة… والباب بيبتدي يتفتح ببطء شديد!
الخطوات كانت بتقرب من باب الأوضة ببطء، وكل خطوة كانت بتخبط في قلبي كأنها دقات مطرقة. مسكت الفازة الزجاجية التقيلة بقوة لدرجة إن صوابعي وجعتني، ووقفت مستخبية ورا الباب تماماً، عيني مسمرة على الفتحة الضيقة اللي بتوسع مع كل زقة للباب.
الباب اتفتح على الآخر، وظهرت منور الصالة ضبابية خفيفة. وقفت شخصية واقفة عند العتبة، ظلالها طاغية على الحائط، وبصوت خشن ومبحوح، ظهر صوت واحد غريب مكنش صوت إيهاب خالص!

عارفين؟ هي أكيد جوه، ومخبية الدهب والورق في مكان ما. دوروا كويس، ولو لقيتوها، خلصوا عليها عشان تفوق من اللعبة اللي لعبتها الصبح!
شهقة خفيفة كادت تهرب من صدري، بس بلعتها في ثانية وقرصت على شفايفي لحد ما دمت. دول مش إيهاب! دول رجالة العصابة الحقيقيين اللي البنت كانت شريكة معهم، واللي شكلهم خرجوا بكفالة سريعة أو مكنوش أصلاً اتقبض عليهم بالطريقة اللي تخلي الشقة فاضية منهم! يعني إيهاب كان مغفل ومضحوك عليه لآخر لحظة، وهم اللي كانوا بيحركوه زي الپيادفة!
دخل اتنين رجالة ضخام البنية الأوضة، واحد منهم ماسك عصاية حديدية والتاني بيولع كشاف تليفونه ويدور في الزوايا. قربوا من السرير، وبصوا للمستندات المبعثرة، وقال أحدهم بنبرة غاضبة:

ابن الـ… هرب بالفلوس، والست دي كمان مش موجودة! دوروا في الدولاب والدرج السري!
لما قربوا من التسريحة وظهر ظهر أحدهم قدامي، حسيت إنها فرصتي الوحيدة. ماكنش عندي وقت أفكر، ولا وقت أخاف. دي معركة حياة أو موت، وفي بيتي كمان!
طلعت من ورا الباب بكل عزمي، وهويت بالفازة بكل قوتي على رأس الراجل القريب مني. سمعت صوت ارتطام أصم، وطلع صوت أنين مكتوم قبل ما يقع على الأرض فاقد الوعي وعيونه بتقلب لفوق!
الراجل التاني التفت لي برعب ومسك عصايته الحديدية وعينيه شارت شرار، وصرخ بصوت عالي:

ده إنتِ جيتى لنهايتك بقى!
هجم عليّا بسرعة البرق، وضربني بالعصاية ضربة جانبية جت في كتفي وخليتني أصرخ من شدة الألم وأقع على الأرض، والفازة طارت من إيدي واتكسرت لمية حتة. قرب مني ومد إيده الكبيرة عشان يخنقني، وحسيت إن النفس اتقطع من صدري وإن الهوا خلص، وعيوني بدأت تغمض من كتر الضغط والهواء اللي فارق ريتي.
لكن في اللحظة دي بالضبط، وبقيت أسمع صوت ضجيج وصراخ مرعب وجري كثيف بره الشقة، تلاه صوت كسر الباب الرئيسي بصوت مدوي!

إثبات مكانك! الشرطة! ارفع إيديك الاتنين مكانك!
الراجل اتفزع، وساب رقبتي وقام بسرعة عايز يهرب من شباك الأوضة، لكن قبل ما يتحرك خطوة واحدة، كانت طلقات تحذيرية رشق في الحائط، ودخلت قوة مكافحة الإرهاب والمباحث بأسلحتهم، وفي ثواني كان الراجل متكتف على الأرض ومكلبش، والتاني اللي كان واقع على السجاد بيفيق بيجرجر نفسه في الكلبشات جنبه!
كنت قاعدة على الأرض باخد نفسي بصعوبة، كتافي بينزف منه وجع فظيع، وشعري منكوش، وعيوني مدمعة من الخنق. وفجأة، حسيت بإيد دافية بتمسح على راسي، وبصوت حنون ومألوف لقيت رئيس مباحث الآداب، صديق الأسرة، بينزل لمستواي وبيقول بقلق بالغ:

هند! إنتِ كويسة يا بنتي؟! سامحينا اتأخرنا في تأمين الشقة، بس كنا راصدين تحركات العصابة دي من ساعة بلاغك امبارح، وعرفنا أنهم ناوين يصفوكي بعد ما قبضنا على البنت والشريك الأول!
بصيت له ودموعي نزلت، وبلعت ريقي بصعوبة وقريت في عينيه كل أسئلة الدنيا، بس نطقت جملة واحدة بصوت مكسور:

وإيهاب… فين إيهاب يا فندم؟
سكت لحظة، وبص في الأرض بحزن وقال بصوت هادئ:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى