
إيهاب… لسه جيلنا إخطار بيه من المستشفى من دقايق. للأسف، بعد ما قبضنا عليه، اعترف بكل حاجة، بس وهو في حراسة القسم جاله هبوط حاد في الدورة الدموية وسكتة قلبية مفاجئة… ومات في الحال!
الجملة دي نزلت عليّا زي الصاعقة.. “مات في الحال!”
كلماتها لفت في وداني بصوت عالي كأنها طلقات رصاص. يعني إيه مات؟! يعني إيه عشرة اتناشر سنة تنتهي بالسرعة دي، وفي ظروف مرعبة ووسخة زي دي؟ حسيت إن الأوضة بتبتدي تلف بيا، وكل الأكسجين اللي في الدنيا اختفى من صدري. الضابط مد إيده بلهفة عشان يمسكني قبل ما أقع، وقال بصوت قلق:
دكتورة هند! قومي معايا، اهدي.. العربية بره جاهزة، لازم تروحي المستشفى تشوفي الوضع بنفسك وتخلصي الإجراءات القانونية.
هزيت راسي ببطء، وكأن مخي بطل يستوعب. قمت على رجليه اللي كانت بتترعش كأنها عيدان خشب ضعيفة، ومشيت معاهم بخطوات تائهة. ركبت العربية البوليس، وفي طريقي لنفس المستشفى اللي قضيت فيها أحلى وأصعب سنين عمري، كانت الصور بتجري قدامي زي شريط سينما مسرع: أول يوم قابلت فيه إيهاب، ضحكته، وقفته جنبي في العمليات، وحتى صوت كُبّاية القهوة اللي كان بيجيبهالي كل صباح.. كله اتحول لذكرى مرهقة مالهاش طعم.
لما وصلنا المستشفى، كانت الدنيا مقلوبة. أطباء القسم، التمريض، والإداريين كانوا واقفين في ممرات الطوارئ بيبصوا لبعض بهمس ورعب. خبر موت رئيس قسم الجراحة في ظروف مرتبطة بقضية ابتزاز وعصابة نزل على الكل كالصاعقة.
دخلت المشرحة بخطوات تثاقلت أكتر وأكتر. فتحوا لي باب الثلاجة، وشفت وش إيهاب.. كان باين عليه ملامح الندم والذعر آخر لحظة في عمره. وقفت قدامه دقيقتين كاملين من غير ما تنزل دمعة واحدة من عيني؛ الدموع نشفت في عروقي. بصيت له وقلت بصوت واطي ومبحوح، مسموع ليا لوحدي:
خسرت كل حاجة يا إيهاب.. البيت، والسمعة، والعشرة.. عشان شوية شهوات ووهم كداب. الله يسامحك على اللي عملته فيا وفي نفسك.
خلصت إجراءات تصريح الدفن بحكم مهنتي وعلاقاتي، ورجعت البيت لوحدي في ساعة متأخرة من الليل. الشقة كانت ضلمة وساكنة سكوت الموت. ولأول مرة أحس بالوحدة الحقيقية.. ماكنش فيه قهوة الصبح، ولا صوت خطواته على السيراميك، ولا حتى حس الخدعة اللي دمرت حياتنا.
تاني يوم الصبح، نزلت المستشفى كالعادة. دخلت مكتبي، لبست بالطو الأبيض الطويل، وقعدت على الكرسي قدام ترابيزة العيادة. الممرضة دخلت بهدوء، وحطت ملفات المريضات على المكتب، وقالت بصوت مكسور:
البقاء لله يا دكتورة.. ربنا يصبرك على اللي حصل.
ابتسمت لها ابتسامة شاحبة، وهزيت راسي بهدوء، وقلت:
النعم لله يا حبيبتي.. العيادة تفتح، والباب يدخل أول مريضة.
فتحت أول ملف، وبدأت أكتب الكشف الطبي، وأنا مدركة تماماً إن الصفحة دي بكل مرارتها اتقفلت للأبد، وإن روحي اللي اتكسرت هتبتدي تبني نفسها من جديد.. بس المرة دي لوحدي، ومن غير خوف من بكرة!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




