
عدت الأيام، والأشهر بتمر كأنها سنين طويلة. المستشفى رجعت لروتينها الطبيعي، واسم الدكتور إيهاب بقا سيرة من الماضي، ذكرى مرة بتهرب منها الناس في الممرات، وكل ما حد يبصلي كان بيبص بنظرة شفقة أو احترام غريب لقدرتي على التحمل والثبات. قدرت أرجع لشغلي بكل قوة، وبقيت أقضي ساعات طويلة جوه العمليات وفي العيادة، أداوي الناس وأنسى نفسي وسط زحمة الحالات والمرضى.
لكل، اللي مكنتش أعرفه، إن حكاية العصابة دي والفلوس المسروقة مكنتش انتهت عند موت إيهاب!
في يوم خميس بالليل، كنت قاعدة لوحدي في البيت، وساكتة تماماً، وبشرب كوباية الشاي، وفجأة سمعت صوت رنين تليفون المكتب القديم اللي في الصالة — التليفون الأرضي اللي تقريباً مكنش حد بيكلمنا عليه غير الشغل أو الفواتير. استغربت جداً لأن الساعة كانت دخلت على اتناشر بالليل، ومحدش أصلاً بيعرف الرقم ده غير قليلين قوي.
قمت بخطوات بطيئة، ورفعت السماعة وقلت بصوت حاد:
الو.. مين معايا في الوقت المتأخر ده؟
سكت الطرف التاني ثواني، وبعدين جه صوت غريب، صوت أنثوي مألوف جداً، بس كان مليان رعب وارتجاف، وقالت بنبرة قطعت نفسى:
دكتورة هند.. أرجوكِ اسمعيني كويس ومتقفليش السكة! أنا عارفة إنك بتكرهيني، وعارفة إن بسببي وبسبب خطة إيهاب حياتك اتقلب أسود.. بس صدقيني، أنا كمان كنت مهددة زيه!
عروقي نشفت في مكاني، وعرفت الصوت فوراً.. دي البنت اللي دخلت عليّا العيادة في الأول، البنت اللي ادعت إنها حامل من جوزي وكانت جزء من الشبكة!
زعقت في السماعة بصوت مليان غضب وقهر:
إنتِ؟! إنتِ إزاي ليكي عين ترفعي التليفون وتكلميني بعد كل اللي عملتوه؟! انتي السبب في دمار بيتي وموت جوزي! أنتِ فاكرة إني نسيت ولا إيه؟! البوليس دور عليكي!
قاطعتني بصوت بيبكي بانهيار وهي بتصرخ في التليفون:
البوليس هربت منه! بس الناس التانيين مش هيسبوني.. ولا هيسبوكِ إنتِ كمان يا دكتورة! الفلوس اللي إيهاب سرقها وحطها في البيت عندك قبل ما يموت.. مكنتش فلوسنا كلنا، دي كانت أموال تخص “الزعيم الكبير” اللي بيدير الشبكة دي من وراء الستار! وهما فاكرين إنك إنتِ اللي خدتي الدهب والفلوس دي وخبيتيها بعد موت إيهاب!
حسيت ببرودة سرت في كل جسمي، وقلبي دق بجنون وأنا بقول بصوت مرتعش:
فلوس إيه؟! الدهب والفلوس اتقبض عليها مع العصابة، والشقة اتفتشت!
قالت بانهيار وصوتها بيقطع من الخوف:
لأ يا دكتورة.. اللي اتقبض عليهم دول كانوا رجالة صغيرة، لكن الصندوق الحقيقي، والفلاشة اللي عليها كل المستندات وأسماء الكبار المتورطين في غسيل الأموال وابتزاز الأطباء.. إيهاب خباها في مكان سري محدش يعرفه غيرك إنتِ وهو! وهما راصدين البيت، وجايين في الطريق ليكِ دلوقتي حالا!
لسه هرد عليها وأسألها عن تفاصيل أكتر، سمعت صوت طقطقة غريبة على باب الشقة الرئيسي.. صوت حد بيحاول يفتح الباب بالمفتاح، أو يكسره من برا!
اتجمعت الدموع في عيني، ومسكت التليفون بإيد بتترعش، ولقيتها بتقفل السكة في وشي وسط صراخها المرعب. جريت بسرعة على باب الصقة، وبصيت من العين السحرية.. وهنا كانت الصدمة الكبيرة اللي رجعتني لنقطة الصفر، وفتحت باب جحيم جديد مكنتش متوقعه أبدًا!
لما بصيت من العين السحرية، وشفت المنظر اللي بره، حسيت إن الدم جمد في عروقي وبطلت أحس برجلي. على باب الشقة، كان واقف تلات رجالة ضخام جداً، ملثمين وبيلبسوا جاكيتات سودا، وأحدهم كان ماسك مفتاح هيكلي أو أداة حديدية بيحاول يفتح بيها قفل الباب الرئيسي بمهارة وغدر وسرعة غريبة!
الوقت كان بيعدي كأن عقارب الساعة متجمعة على رقبتي. البنت دي ما كذبتش؛ العصابة فعلاً وصلت لحد باب بيتي، وعارفين إن الفلاشة والمستندات والدهب اللي اتكلمت عنهم موجودين جوه، وبيبحثوا عن الانتقام وعن الكنز اللي هيخليهم يهربوا بأساميهم من الحبل.
رجعت خطوتين لوراء بهدوء شديد، وأنا حاسة أن ريقي نشف وأن مخي بيفكر بسرعة الجنون. مفيش وقت للعيط ولا للخوف. لو دخلوا الشقة وأنا واقفة مستسلمة، نهايتي هتبقى أبشع بكتير من نهاية إيهاب.
بسرعة البرق، جريت على أوضة نومي، وقفلت الباب ورايا بالمفتاح بهدوء تام. فتحت الدولاب اللي كان متبهدل، ودخلت إيدي ورا الأرفف الخشبية التخينة. كنت فاكرة دايماً إن إيهاب إنسان تقليدي، بس لما فكرت في طريقته وذكائه المهني، عرفت إن فيه مكان سري هو الوحيد اللي كان بيحبه وبيستأمنه.. اللوحة القديمة المعلقة على حائط الصالة، اللي فيها آية الكرسي بخط عربي أصيل وراها تجويف في الحيطة كنت فاكراه مجرد ديكور!
سمعت صوت تكّة الباب الرئيسي وهو بيتفتح بره بصوت عالي، والرجالة بيدخلوا الشقة بخطوات ثقيلة وعنيفة، وبيكسروا أي حاجة تقابلهم في طريقهم، وبيقولوا بصوت خشن ومرعب:
دوروا في كل زاوية! الفلاشة والدهب لازم يطلعوا، والست دي لو ظهرت اخلصوا عليها فوراً!
صوت خطواتهم في الصالة كان بيقرب من أوضة النوم بسرعة رهيبة. حسيت إن أنفاسهم بقت قريبة مني لدرجة إني كنت سامعة صوت شهيقهم وزفيرهم بره الباب.
بسرعة، نزلت على ركبي، وفتحت درج المكتب الصغير اللي في الأوضة، ومديت إيدي تحت الدرج وطلعت مفتاح صغير قديم كنت فاكراه مفتاح لشنطة قديمة. قمت ووقفت قدام لوحة آية الكرسي اللي متعلقة جوه الأوضة، ورفعتها بحذر شديد.. وظهر قدامي التجويف الصغير المخفي في الحيطة، وفيه صندوق معدني صغير مقفول!
دخلت المفتاح الصغير في قفل الصندوق، ولفيته بصعوبة لحد ما سمعت صوت “تكة” الفتح. فتحت الغطاء بسرعة، ولقيت جوه الصندوق حاجتين اتنين: فلاشة صغيرة سوداء عليها ملصق بخط إيد إيهاب، وسلسلة ورق ومستندات رسمية، ومعاهم كيس قماشي صغير فيه جزء من الدهب اللي كان ناقص!
في اللحظة دي بالضبط، لقيت باب أوضة النوم بيتخبط بعنف شديد، وصوت واحد من الرجالة بيصرخ من بره وهو بيضرب الباب برجله:
افتحي الباب! عارفين إنك جوه، ومش هتهربي باللي في إيدك!
الباب كان بيدي إشارات إنه هيتكسر تحت ضرباتهم الوحشية. مسكت الفلاشة والمستندات وحطيتهم في جيبي بقوة، وقفلت الصندوق ورجعت اللوحة مكانها بسرعة.
بصيت حواليا ملقتش قدامي غير شباك الأوضة اللي بيطل على المنور الخلفي للعمارة.. المنور كان ضيق، والدور اللي أنا فيه هو الدور الثالث، بس مكنش فيه أي خيار تاني قدامي! الموت قدام عيني جوه الأوضة، والهروب هو الأمل الوحيد مهما كانت خطورته.
جريت على الشباك، وفتحته على الآخر، وطلعت برجلي الاتنين بره في نفس اللحظة اللي الباب فيها اتكسر وانفتح على مصراعيه وظهروا قدامي بملامحهم المرعبة وسكاكينهم!
نطيت في المنور وأنا بصرخ بصوت مكتوم، وأحاسيس الرعب والأدرينالين بتجري في عروقي كلها، وماكنتش عارفة أنا رايحة فين ولا إيه اللي هيحصل لي بعد اللحظة دي، بس اللي كنت متأكدة منه.. إن اللعبة دي هتنتهي الليلة، وإما أنا اللي هكشفهم كلهم، أو مش هقوم للدنيا دي تاني أبداً!
النطة في المنور كانت أشبه بالقفزة في المجهول، لكن أدرينالين الخوف والنجاة خلاني أنزل على ماسورة الصرف الصحي الخلفية وأنا بمسك فيها بكل قوة صوابعي. حسيت الجلد بيتسلخ من إيدي، والوجع كان بيضرب في كتافي وجنبي، لكن الإصرار على الحياة كان أقوى بكتير من أي ألم.
سمعت صوتهم فوق على الشباك وهما بيصرخوا بغضب:
هربت! الحقوها نزلت على المنور!
نزلت بسرعة جنونية لحد ما وصلت لأرضية المنور في الدور الأرضي، وكانت عبارة عن ممر ضيق بيطلع على الجراج الخلفي للعمارة. جريت، ولبسي مقطع ومبهدل، وكتافي بتنزف، لحد ما طلعت للشارع الرئيسي في نص الليل. الهواء البارد ضرب في وشي، ولقيت عربية أجرة (تاكسي) معدية صدفة. شورت له بإيدي التانية، ووقفت قدامه وفتحت الباب ونطيت جوه وأنا باخد نفسي بصعوبة بالغة، وقولت للسواق بصوت متهدج:
اتحرك! اتحرك حالاً على مديرية أمن القاهرة!
السواق بصلّي في المراية برحب من منظري ووشي الباهت وهدومي المتبهدلة، وقال بارتباك:
يا فندم… إنتي كويسة؟! مين دول اللي وراكي؟!
صرخت فيه بصوت محشور:
بقولك اتحرك حالاً، وهي أمانة في رقبتك لحد ما نوصل، وهتاخد أضعاف أجرتك!
دوس السواق بنزين وانطلقت العربية بسرعة، وبصيت ورايا من زجاج العربية الخلفي، لقيت اثنين من الرجالة الملثمين طالعين من باب العمارة وبيتلفتوا حواليهم بجنون، بس العربية كانت خلاص دخلت في قلب الشارع الرئيسي واختفت عن عيونهم.
بعد أقل من نص ساعة، كنت واقفة قدام مكتب رئيس مباحث الآداب، نفس الشخص اللي ساعدني في الأول، ودخلت عليه المكتب بلا استئذان. الراجل قام من على كرسيه مخضوض لما شاف منظري، وقال بلهفة:
دكتورة هند؟! إيه اللي حصلك؟! مين عمل فيكي كده؟!
من غير ما أنطق ولا كلمة، طلعت من جيبي الفلاشة السودا وصندوق المستندات الصغير وحطيتهم على مكتبه بإيد بتترعش، وقولت بصوت كله قهر وتصميم:
ده كل اللي سابه إيهاب قبل ما يموت.. دي الفلاشة اللي عليها أسماء العصابة الكبيرة اللي بتدير شبكة غسيل الأموال وابتزاز الأطباء.. والرجالة بتاعتهم كانوا لسه بيصفوني حالا في الشقة عشان ياخدوها!
رئيس المباحث فتح عينيه بصدمة، وخد الفلاشة وفتح درج مكتبه وطلع لاب توب ووصلها بسرعة، وبدأ يفتح الملفات الموجودة عليها. وبعد دقايق من الصمت التام، ظهرت على وشكلي ابتسامة انتصار خفيفة وهو بيقول بصوت مسموع:
يا الله!… دي الأسماء كلها هنا! الكبار ورؤساء مجالس الإدارة والمستثمرين اللي كانوا بيحموا الشبكة دي ومحدش قدر يوصلهم طول السنين اللي فاتت! إيهاب كان مسجل كل صوت وفيديو وكل قرش اتحول على حساباتهم السرية!
قلت بصوت متهدج، والدموع أخيراً لمعت في عيني من كتر الإرهاق:
كده حق إيهاب اتخذ، وحقي أنا كمان رجع.. والناس دي مش هتهرب تاني أبداً.
اطمني تماماً يا دكتورة هند، الليلة دي قبل ما الفجر يطلع، هيكون كل أسماء الكبار دول متكتفين في زنزانات مع العصابة بتاعتهم! انتي أثبتي شجاعة نادرة، وخدمتي البلد خدمة تاريخية!
قعدت على الكرسي قدام مكتبه، وحسيت أخيراً إن الجبل اللي كان قاعد على صدري طوال الشهور اللي فاتت انزاح تماماً. غمضت عيني، وأول مرة أحس بالسلام الحقيقي بيسري في روحي.
بعد أسبوعين كاملين، نشرت الصحف والقنوات التلفزيونية تفاصيل القبض على أكبر شبكة لغسيل الأموال والابتزاز في القطاع الطبي، وظهر اسمي في التقارير كبطلة ساهمت في كشف الحقيقة. استقضيت من مستشفى إيهاب ونقلت لشغل جديد في مكان هادي في محافظة تانية، وفتحت عيادة خاصة بيّا لوحدي بعيد عن شبح الماضي.
في يوم جديد، الشمس كانت طالعة ومسترسلة على مكتبي الجديد. كنت قاعدة بشرب قهوتي الصبح بهدوء تام، وببص لطيف البالطو الأبيض المعلق ورايا. فتحت درج مكتبي، وابتسمت لنفسي، وأنا عارفة كويس إن كل وجع وكسرة مرو بيها كانوا مجرد اختبار لقوة روحي، وإني قدرت أكتب النهاية الصح لقصتي.. بـإيدي أنا لوحدي، ومن غير خوف من بكرة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




