
التفتُّ نحو الباب بخطوات سريعة وحاسمة، ولم ألتفت خلفي رغم صرخات أمي الهستيرية ونداءات قرايبنا المحاولة لإيقافي واستعطافي. لقد انتهى وقت الكلام والنقاش، وانكسر حاجز الخوف والأوهام العائلية للأبد. ركبت السيارة، وأغلق الباب بقوة، وتحركت فورًا عائداً إلى المستشفى، حيث تنتظرني زوجتي ومعها ابني الذي لم يأتِ إلى الدنيا بعد، لكنه أصبح بالفعل سببًا لثورة لا يمكن لأحد إيقافها.
طوال الطريق، كان هاتفي ينبض بالاتصالات المتتالية من خالي ومن أقارب آخرين، يحاولون التوسل والتهدئة، ويؤكدون أن “الموضوع أسهل من كده” ويمكن حله “في جلسة عائلية وديّة”. كنت أنظر إلى الشاشة وأرفض الاتصالات واحدًا تلو الآخر، ثم قمت بحظر أرقامهم تمامًا. لقد انتهت لغة المجاملات الكاذبة التي دفعنا ثمنها غاليًا من أعصاب زوجتي وصحتها.
وصلت إلى المستشفى، وصعدت الدرج بخطوات سريعة حتى وصلت إلى باب الغرفة. فتحت الباب بهدوء لكي لا أزعجها، فوجدتها مستيقظة، تنظر إلى الباب بقلق وتوتر شديدين، وعيناها محمرتان من البكاء. وما إن رأَتني حتى ظهرت ومضة من الراحة على وجهها، لكنها سارعت بسؤالها بصوت مهتز:
— كنت فين؟ عملت إيه؟ شكلهم عملوا لك مشكلة بسببي؟
دخلت وأغلقت الباب خلفي، واقتربت منها ببطء، ثم جلست على حافة السرير وأمسكت يديها الباردتين بين يدي، وابتسمت لها بابتسامة دافئة ومطمئنة لأول مرة منذ ساعات طويلة، وقلت:
— ما تقلقيش من أي حاجة تاني خلاص. جبت موبايلك، وجبت الأوراق، وسيبتهم هناك في حالة صدمة مش عارفين هيعملوا إيه. محدش يقدر يقرب منك تاني، لا هما ولا غيرهم.
سقطت دمعة حارة من عينها، لكن هذه المرة لم تكن دمعة خوف أو انكسار، بل كانت دمعة راحة وانفراج لكرب طويل. ضغطت على يدي بقوة وقالت بصوت مكسور:
— أنا خايفة ليعملوا فيك حاجة… هما مش هيسكتوا بسهولة، وخصوصًا والدتك.
— خليهم يعملوا اللي يقدروا عليه — قلتها بنبرة قاطعة لا تقبل التشكيك. — اللي بيتعدى على بيتي ويرهب مراتي وابني، ملوش عندي أي حسابات قديمة أو احترام مزيف. والأوراق دي والموبايل مش هسيبهم، وبكرة الصبح هيكون فيه إجراءات قانونية رسمية تضمن حقوقنا وتحمينا منهم نهائيًا.
قضيت الليل كله بجانبها في غرفة المستشفى، لم أغمض عينًا ولم أترك يدها. كانت ساعات طويلة، لكنها كانت كفيلة بترميم ما كسره الخوف في قلبها. كنت أتحدث معها عن مستقبلنا، وعن بيتنا الجديد الذي سنحصنه بأفضل وسائل الأمان، وعن طفلنا القادم الذي سيرى أبًا وأُمًا لم يرضيا بالظلم قط.




