روايات وقصص

حكايات نرمين 2

بعد ما الحاج منصور وأم نسرين سافروا راجعين لبلدهم في الشرقية، والبيت هدي تماماً من عاصفة “السبوع”، بقيت أنا وأمي ونسرين ويوسف جوه الفيلا، بس الجو كان مختلف تماماً. الغرور اللي كان مالي الحيطان طار، وبقى فيه هدوء غريب، هدوء المحاسبة والتطهير.

 

أمي اتغيرت كلياً. مبقتش تطلع من أوضتها كتير، وقعدت مع نفسها أيام وليالي بتراجع حياتها كلها. الفلوس والمظاهر اللي كانت بتجري وراها سنين على حساب كرامتها وراحتها، شافتهم بعين جديدة؛ عين الشخص اللي خسر كل حاجه عشان كان باصص لفوق زيادة عن اللزوم.

في يوم، لقيتها قاعدة في الجنينة على كرسي بلاستيك عادي خالص، نفس الكرسي البلاستيك المكسور اللي قعدت عليه حماتي ليلة السبوع. قربت منها بهدوء وقعدت قصادها.

— “بتعملي إيه يا أمي هنا؟ الجو بره طراوة زيادة.”

رفعت عينيها ليا، وكان فيهم لمعة ندم طاهرة، وقالت بصوت مكسور:

— “بقعد هنا عشان أفكر يا عصام.. الكرسي ده علمني اللي السنين كلها معلمتهوش ليّ. علمني إن البني آدم مهما علا وملك، بيفضل في الآخر طين، والكرامة هي الستر الوحيد.”

— “الحمد لله إن الدرس وصل يا أمي، والحمد لله إنك رجعتي لنفسك.”

— “لازم أكفر عن خطيئتي يا عصام.. فلوس أراضي الحاج منصور أنا بعت عقارات تانية تخصني أنا، وحضرت الشيكات كاملة مضاف ليها أرباح السنين اللي فاتت، وعايزك تروح معايا بنفسك نسلمهم حقهم، وكمان أعتذر لهم قدام أهل البلد كله.”

ابتسمت براحة، وحسيت إن زلزال امبارح جاب نتيجة وأثمر عن إنسانة جديدة كنت بتمناها من زمان.

وفي نفس الأسبوع، أخدت أمي ونسرين ويوسف، وسافرنا سوا لبلدة الحاج منصور في الشرقية.

أول ما دخلنا بيت الحاج منصور البسيط، رحب بينا بحفاوة وكرم أصله ما يتغيرش، كأن مفيش أي حاجة حصلت. أمي جريت على إيد الحاج منصور وأم نسرين، باستها وهي بتعيط بحرارة:

— “حقكم عليا.. سامحوني، أنا كنت عميا والفلوس عمت قلبي.”

الحاج منصور قومها بحنان وقال:

— “يا هانم، اللي فات مات، وإحنا ناس نسايين للوحش، حافظين للجميل.. وأهم حاجة إن ولادنا مع بعض وربنا يبارك لهم في يوسف.”

أمي طلعت الشيكات والأوراق الرسمية اللي بترجع الأراضي والفلوس لأصحابها كاملة، ورفضت تاخد أي مليم زيادة. وفي قاعدة عرب واسعة قدام أهل القرية كلهم، وقفت أمي وقالت بصوت قوي وواضح إن الحق أحق أن يتبع، وإنه لا فضل لضاحك على باكٍ إلا بالأصل والتقوى.

رجعنا بيتنا في الشيخ زايد، والحياة خدت مسار تاني خالص. الفيلا مبقاش اسمها “فيلا الهانم الكبيرة”، بقى اسمها “بيت العيلة”. صحبات أمي القدامى اللي كانوا بيجروا ورا المظاهر اختفوا تماماً أول ما عرفوا الحقيقة، بس أمي مكنش زعلانة بالعكس، قالت لي كلمة عمرها ما هتتنسي:

— “اللي ما يقفش جنبك وأنت مكسور، ملوش مكان وأنت فوق.”

نسرين رجعت لصحتها وبقت سعيدة ببيتها، ويوسف كبر قدام عينينا على الصدق والمحبة والتواضع، مش على التعالي والغرور.

وأنا.. حسيت ولأول مرة إني ملكت الدنيا بحذافيرها؛ لأن الفلوس الحلال بتجيب بركة، والقلب الصافي هو السند الوحيد اللي مبيخيبش أبداً.

بعد ما الأمور استقرت ورجعت المياه لمجاريها، وبقى “بيت العيلة” في الشيخ زايد عنوان للدفء والمحبة مش للمظاهر الكدابة، حياتنا خدت شكل جديد وهادئ. يوسف كان بينمو قدام عينينا، وضحكته كانت بتملي البيت حياة وبُركَة. أمي مكنتش سبت لحظة ندَم من اللي فات، وبقت هي اللي بتلح عليّ وعلى نسرين نروح نقضي ويك إند كل فترة عند الحاج منصور وأم نسرين في الشرقية، وتشيل البيبي وتساعد أم نسرين في المطبخ بكل حب وتواضع، كأنها بتغسل بقلبها كل ذرة كبر قديمة.

لكن الحياة بطبيعتها مش بتمشي على وتيرة واحدة، وفي يوم من الأيام، وأنا قاعد في مكتبي براجع ملفات جديدة للشركة، دخلت عليّ سكرتيرة المكتب ومسكت في إيدها ظرف مقفول.

— “يا بشمهندس عصام، في شخص بره ومصر يشوف حضرتك ضروري جداً، بيقول إنه بيمثل طرف مهم وعنده خبر هيقلب موازين شغلنا.”

استغربت، وقلت لها تدخله فوراً.

دخل راجل في أواخر الأربعينات، بيلبس بدلة بسيطة بس ملامحه واضحة عليها التوتر والقلق. قعد قدامي وطلع من جيبه ورق قديم ومستندات قانونية.

— “أنا محامي الأستاذ فهيم، الشريك القديم لوالدك الله يرحمه… أو بمعنى أصح، الشريك اللي اتظلم زمان.”

كلمة “الشريك القديم” نزلت عليّ زي الصاعقة. أنا مكنش في وداني أي خبر عن شريك لأبويا، وكل اللي كنت أعرفه إن أبويا مات وهو موظف بسيط على قد حاله!

— “شريك مين؟! أبويا مكنش ليه شركاء، أبويا كان موظف حكومي ومات ومعاشه دوبك بيكفينا!”

المحامي فتح الظرف وطلع عقود وتوقيعات قديمة من أكتر من عشرين سنة، وقال بصوت حازم:

— “أبوك الله يرحمه مكنش موظف بس في البداية.. أبوك وأستاذ فهيم أسسوا شركة عقارية صغيرة في بدايتهم، وهي دي النواة الحقيقية لكل الثروة اللي ولادتك وبنتها بعد كده! بس للأسف، والدتك، الله يهديك ويهديها، قدرت في فترة مرض والدك الأخيرة تقنع شريكه بالتنازل بتهديدات ومحاضر وهمية، وخدت كل النصيب، وطردت الراجل ده وأسرته للشارع، وسابته مديون ومطارد!”

بصيت للورق وأنا حاسس إن السجاد بيسحب من تحت رجلي. طلعت كل الثروة دي، والفيلا والشركات، مش بس مبنية على أراضي مسلوبة من الحاج منصور وأهله، دي كمان مبنية على ظلم شريك قديم لأبويا!

قمت من مكاني وأنا مش مصدق وداني، وقلت للمحامي بصوت منقبض:

— “فين الراجل ده دلوقتي؟ وفين حقه؟”

— “الراجل ده مات من خمس سنين بحسرته.. بس سايب ابنه، شاب بيحاول يجمع حق أبوه بالقانون من سنين، وعنده استعداد يقلب الشركة دي تراب لو سكتنا.”

عرفت ساعتها إن الحكاية لسه منتهتش، وإن الذنوب القديمة لازم تتدفع تمنها للآخر، وإن التوبة مش كفاية بالكلام، دي محتاجة فعل يرجع كل حق لأصحابه، مهما كان التمن.

كلمات المحامي نزلت على دماغي زي الصاعقة. حسيت إن الدنيا بتلف بيا، وإن شبح الماضي لسه بيطاردنا وبيكشف كل يوم خبايا وظلم أعمق وأقسى من اللي قبله. بصيت للورق اللي قدامي، التوقيعات واضحة، واسم أبويا مكتوب بوضوح جنب اسم الشريك المظلوم “أستاذ فهيم”.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى