روايات وقصص

حكايات نرمين 2

— “فين ابن الراجل ده دلوقتي؟” سألت المحامي بصوت مشدود وأعصاب مأزومة.

— “ابنه شغال محاسب في إحدى الشركات, ومعه كل المستندات الأصلية.. وكان مستعد يرفع قضية تزلزل اسمك واسم شركتك في السوق كله، بس أنا نصحته ييجي نتفاهم الأول بالحسنى، خصوصاً وإني عرفت إنك راجل بتدور على الحق.”

قعدت على الكرسي وأنا حاسس بثقل الدنيا على كتفي. بصيت لصور عيلتي على المكتب؛ يوسف ونسرين وأمي اللي لسه محتفظة بندمها وتوبتها. فهمت ساعتها إن التوبة مش مجرد اعتذار أو رد أراضي لأهل نسرين وبس، دي مسيرة طهارة كاملة لازم تنضف كل قرش دخل البيت ده بطريق الظلم.

— “بلغ موكلك إن مفيش محاكم ولا قضايا.. هاتلي ابنه بكرة الصبح على مكتبي هنا، وكل حقوقه هترجع له كاملة، مضافة لأرباح الشركة من يوم ما تأسست لحد اللحظة دي.”

المحامي ابتسم بارتياح، وقال: “كنت متأكد إنك شخص محترم يا بشمهندس.” وخرج.

رجعت على الفيلا وأنا تايه في أفكاري. لقيت أمي قاعدة في الجنينة على نفس الكرسي البلاستيك، ونسرين قاعدة جنبها بتشرب الشاي. أول ما دخلت وشافوا وشي الأصفر، نسرين قامت بلهفة:

— “مالك يا عصام؟ في إيه؟”

قعدتهم هما الاتنين، وحكيت لهم كل حاجة سمعتها من المحامي عن الشريك القديم لأبويا وظلم أمي ليه زمان. أمي أول ما سمعت الاسم، حطت إيديها على وشها وصرخت بدموع حارقة:

— “يا نهار أبيض! أستاذ فهيم الله يرحمه.. أنا كنت نسيت، أو تعاميت! الطمع عماني يا ولاد.. الشيطان ضحك عليا زمان وفضل يزين لي الشر لحد ما دمرت عائلات بأكملها!”

نسرين حضنت أمي بحنان وقالت: “المهم إنك عرفتي غلطك يا طنط، وربنا بيعنا عشان نصلح كل ده قبل ما نتحاسب بجد.”

تاني يوم الصبح، دخل عليّ الشاب (ابن أستاذ فهيم). كان شاب ملامحه هادئة بس عيونه فيها نبرة حزن وقهر السنين. أول ما قعد قدامي، بصيت له بكل احترام، وطلعت الشيكات وعقود الشراكة اللي بتثبت أحقيته في نصف الشركة والفلوس والأرباح المتراكمة.

— “أنا عارف إن الاعتذار ما يرجعش السنين اللي فاتت، ولا يعوض حزن والدك الله يرحمه.. بس أنا صاحب الشركة دي دلوقتي، وواجب عليّ أرجع الحق لأصحابه. دي عقود شراكة باباك كاملة، وده شيك بكل مستحقاتكم وأرباحكم.”

الشاب بص للورق والشيك بذهول، ودموعه لمعت في عيونه. وقف, مد إيده ليا وقال بصوت مهتز:

— “أنا مكنتش جاي أطمع في أكتر من حقي.. بس كرم أخلاقك ده رجع لينا كرامتنا اللي اتداس عليها من سنين. أبويا في قبره هيترحم عليك.”

في اللحظة دي، دخلت أمي المكتب، ووقفت قدام الشاب وهي بتترعش، ووطت على إيده باسته قدامي وقدام نسرين:

— “سامحني يا ابني.. أنا كنت ظالمة، وعمري ما هسامح نفسي إلا لما تقبل اعتذاري.”

الشاب اتخض وشال إيده بسرعة، وقال بصوت حنون: “خلاص يا أمي، اللي فات مات، وربنا غفور رحيم.”

بعد أيام، تمت التسوية الرسمية، وبقى ابن أستاذ فهيم شريك حقيقي في الشركة، وفتحنا صفحة جديدة أساسها العدل والصدق.

الفيلا اللي كانت في يوم من الأيام رمز للغرور والتعالي، بقت فعلاً “بيت العيلة” الحقيقي، بيت بيسكنه السلام وراحة البال. أمي لقت طمأنينة قلبها بعد ما صفّت كل الحسابات القديمة، ونسرين بقت سند ليا في كل خطوة، ويوسف بيكبر في بيئة بتعلم إنسان إن الكرامة، والأصل الطاهر، والحلال هما رأس مال البني آدم الوحيد في الدنيا دي.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى