عام

حكايات اسما 2

وقفت مكاني متجمّدة في نص الصالون، والموبايل لسه في إيدي والتليفون مفتوح. صوت الممرضة كان ماليان رعب واضطراب وهي بتقول: مدام فريدة! أرجوكِ ردي عليا، الست في العمليات حالتها  جدًا،  مش راضي يقف، والدكاترة بيقولوا لازم حد ياخد قرار فوري بعملية جراحية حرجة تنقذ حياتها وحياة الجنين، وحسام بعد ما اتقبض عليه مبقاش حد مسؤول عنها، والدكتور تواصل مع إدارة المستشفى فلّاقوا اسمك مسجل في ملفات الطوارئ كأول شخص ممكن يتصلوا بيه في الحالات الطارئة لأن حسام وقت ما دخلها كان مرتبك وكتب أي بيانات وخلاص، أو يمكن…

قاطعتها بصوت حاسم وبارد:

— إنتي بتقولي إيه؟! أنا مالي ومالها؟! أنا لا نعرف بعض ولا تربطني بيها أي صلة! روحي شوفي إدارة المستشفى أو الشرطة تتصرف، أنا مش مسؤولة عن حد!

وقفلت السكة في وشها من غير ما أستدي أسمع ردها!

رميت الموبايل على الكنبة، وتنالست الهواء بعمق. صحيح الكسرة اللي سببهالي حسام كانت تكسر جبل، وصحيح هي كانت طرف في الخيانة وشاركت في خراب بيتي، بس لما تقف اللحظة بين الحياة والموت، الإحساس بالإنسانية جابني لثواني. بس رجعت فكرت في نفسي وفي طفلي اللي في بطني اللي كان ممكن يموت من القهر لو فضلت مستحملة الظلم ده أكتر من كده.

خدت شنطتي ونزلت من العمارة العربية كانت مستنياني تحت. اتحركت على المطار على طول، وكنت حاسة إن صفحة حسام وخيانته وكل حياته القديمة اتقفلت للأبد وقطعت دابرها من جذورها.

وصلت المطار، وخلصت إجراءات السفر لبلد عربي تاني كنت بملك فيه بيوت وأملاك تخص عائلة بابا الله يرحمه بعيدة عن عيون حسام وديونه وقضاياه. قعدت على مقعد الطائرة، حاطة إيدي على بطني، وغمضت عيني أرتاح من كابوس السنين اللي فات.

لكن، بعد مرور أسبوع كامل، وأنا مستقرة في بيتي الجديد والهادي، وكنت فاكرة إن الحكاية خلصت لحد هنا وإن حسام اخد جزاه في السجن والمرأة دي لقت مصيرها، حصل اللي لم يكن في الحسبان أبدًا!

كنت قاعدة في الصالون بشرب كوباية ليمون، وفجأة سمعت صوت خبط خفيف على باب الشقة.

استغربت جداً! أنا لسه ما عرفتش حد مكاني هنا، ولسه محدش يعرف أصلاً إني سافرت البلد دي غير أستاذ رفعت المحامي.

قمت بخطوات بطيئة، وفتحت باب الشقة بحذر، وكانت الصدمة اللي خلت قلبي يقف مكان إيدي!

على عتبة الباب، كان واقف «حسام» بنفسه!

لكن شكله كان مدمر تماماً! شعره مبهدل، وشه أصفر وشاحب، وعينيه غرقانة في راسه، ولبسه مطبق ومتبهدل، وكأنه خرج من قلب جحيم مش من السجن!

بص لي بنظرة كلها كسر وذل، وفتح بوقه بالكاد وقال بصوت مرتعش ومش هادي:

— فريدة… أرجوكِ… متقفلش الباب في وشي… اسمعيني دقيقة واحدة، أنا خلاص ما بقاش ليا حد غيرك في الدنيا دي كلها!

فضلت واقفة متجمّدة مكاني، مش مصعقة عيني، وبصيتله بلا أي ذرة شفقة وقلت بصوت حاد:

— إنت إزاي طلعت من الحبس؟ وإزاي عرفت مكاني أصلاً؟! وامشي من هنا فوراً أحسن أطلب البوليس!

حسام نزل على ركبتيه قدام الباب على الأرض، ودموعه نزلت بغزارة وبدأ يترجاني:

— أستاذ رفعت هو اللي كفلني وخرجني بكفالة مالية ضخمة من حساباتي القديمة اللي افرجتوا عنها جزئياً عشان أقدر أعالج… أعالج البنت اللي كانت في المستشفى! وهو اللي قالي إنتي سافرتي فين! فريدة، اسمعيني أرجوكِ… السكرتيرة دي… دي طلعت متجوزاني بعقد مزور، وكانت بتضحك عليا، وفلوسها كلها اللي كانت طمعانة فيها طارت أول ما الشركات اتصادرت! والأكتر من كده… الولد اللي اتولد في المستشفى… طلع مش ابني!

فتحت عيني على آخرها بصدمة وسألته بذهول:

— إنت بتقول إيه؟!

حسام عيط زي الأطفال وقال بانهيار تام:

— والله العظيم زي ما بكلمك! لما دخلت العمليات ووقعت في الخطر والدكاترة عملوا لها تحليل DNA للطفل عشان ينقذوها بدم مناسب، اكتشفنا إنها كانت مخادعة البلد كلها، وإنها كانت معاه واحد تاني وضحكت عليا عشان أنسب الولد ليا وأكتب الشقق والعربيات باسمها! ولما فلوسي ضاعت واتصادرت، طردتني وقالت لي بالحرف الواحد: “انت خلاص بقيت مفلس، ودور خلص معايا”!

ضحكت بسخرية لاذعة هزت أركان السلم، وبصيتله من فوق لتحت وقلت:

— تشرب من نفس الكاس يا حسام! دي قرصة ودن بسيطة من اللي عملته فيا، جزاء خيانتك وقسوتك وطمعك! وجاي دلوقتي تترجاني أنا بعد ما بعتني برخص التراب عشأنها؟!

حسام وقف على رجليه بصعوبة بالغة، وتقدم خطوة ناحيتي، وعينيه مليانة دموع الندم وقال:

— أنا عارف إني استاهل الإعدام مش بس السجن، عارف إني خسرت الجنة اللي كانت في ايدي عشان سراب كداب! بس أنا بطلب منك فرصة واحدة بس… فرصة أخيرة أصلح فيها اللي ما يتصلحش، وأكون أب كويس لابني اللي جاي… أرجوكِ يا فريدة، عشان العشرة والسنين!

بصيتله بثبات وقوة، وعدّلت كتفي، وفتحت الباب على آخره وقلتله بصوت قاطع زي السيف:

— العشرة دي إنت اللي حرقتها يوم ما دخلت المستشفى وسايبني ومكتفي بغيري، ويوم ما قفلت السكة في وشي وأنا بقولك إني حامل في حتة مني! الصفحة دي اتقفلت يا حسام، وابنك اللي جاي ده هيتولد ويتربى وهو عارف إن أمه ست قوية ومفيش راجل يقدر يكسرها، وأبوه… أبوه مات يوم ما اختار يخون الأمانة!

قبل ما يلحق يرد بكلمة واحدة، دخلت وقفلت الباب في وشه بقوة، وسمعت صوت صياحه وانهياره على السلم بيتردد ورا الباب.

سندت ظهري على الباب من جوه، وحطيت إيدي على بطني، وابتسمت براحة عمر حسيت بيها قبل كده، وعرفت إن الحياة الحقيقية، والبداية الأجمل، بدأت من اللحظة دي بس!

دخلت المطبخ بهدوء، شربت كوباية المية، وحاولت أنظم نفسي وأهدي دقات قلبي بعد المشهد اللي برّه. صوت صياح حسام كان بيقل تدريجيًا لحد ما اختفى خالص، وكأن صوته بيروح مع ماضي كُله أوجاع وخيانات.

قعدت على الكنبة في الصالون، وفتحت تليفوني عشان أتابع مع أستاذ رفعت المحامي آخر التطورات القانونية. أول ما فتحت الواتساب، لقيت رسالة صوتية منه بيقول فيها:

— يا مدام فريدة، اطمني تمامًا.. كل أملاكك اتسجلت رسمي باسمك في الشهر العقاري، وحسام ملوش أي ثغرة قانونية يقدر يرجع بيها سنتيمتر واحد. أما بالنسبة للبنت اللي كانت في المستشفى، فالشرطة قبضت عليها في قضية نصب تانية ومطاردة قضايا تزوير عقود، والطفل اتسلم لدار رعاية لحين الوصول لأهله الحقيقيين. ارتاحي خالص وافتحي صفحة جديدة مع ابلك وجنينك.

سمعت الرسالة، ونزلت دمعة فرحة حقيقية على خدّي. دمعة تخلّص من ذل السنين، وإثبات إن الحق مهما طال بيه الزمن، بيلف ويرجع لصاحبه.

مرت الشهور بسرعة وبهدوء، بعيد عن زحمة القاهرة وقلقها. كنت مستقرة في بيتي الجديد، مجهزة أوضة البيبي بكل حب واهتمام، وبكتب كل تفصيلة في حياتي الجديدة بفرحة. لحد ما جه اليوم اللى غير حياتي للأبد.

صحيت الصبح على وجع خفيف، وعرفت إن ساعة الصفر قربت. جريت اتصلت بالدكتورة بتاعتي، وفي خلال ساعات كنت في المستشفى.

وسط ألم الولادة، كنت حاسة بقوة جبارة جوايا، كأن روح بابا الله يرحمه واقفة في ضهري بتدعميني. وبعد ساعات قليلة، سُمع أصغر وأجمل صوت في الدنيا.. صوت صياح طفلي!

الممرضة جابتلي البيبي وهي مبتسمة وقالت:

— مبروك يا مدام فريدة، أحلى ولد في الدنيا، وصحته زي الفل!

اخدته في حضني، وضميته بقوة لصدري، ودموع الفرحة نزلت بغزارة. بصيت في عيونه الواسعة، وهمست له بصوت دافي:

— أخيرًا بقيت في حضني يا روح ماما.. وعد مني هعيش عمري كله عشان أحميك وأربيك راجل يعتمد عليه، ومحد أبداً هيقدر .

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى