عام

حكايات اسما 2

بعد أيام، خرجت من المستشفى ورجعت بيتي، وكنت أسعد ست في الكون. حسيت إن كل تعب السنين اتمسح بضحكة واحدة من ابني اللي سميته «حمزة»، على اسم بابا الله يرحمه عشان يبقى سند وقوة ليا.

وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة بشرب القهوة وحمزة نايم بهدوء جنبی في العربية الصغيرة، سمعت صوت جرس الباب يضرب برّقة.

استغربت.. مين ممكن يخبط عليا وأنا لسه ما عرفتش حد في المنطقة دي؟

قمت بخطوات هادئة، فتحت الباب، وهنا كانت المفاجأة اللي قلبت موازين حياتي كلها مرة تانية!

وقفت قدام الباب، ولقيت شخص واقف بيلبس بدلة بسيطة ومنسقة، ووشه مألوف جداً، بس مش قادرة أفتكره في الأول.

بصلي بابتسامة هادئة ومليانة احترام، وقال بصوت دافئ:

— أهلاً يا مدام فريدة… ممكن أدخل دقيقة؟ أنا عارف إن الوقت مش مناسب، بس الجاية دي مهمة جداً ولصالحك وصالح ابنك.

رفعت حواجبى بذهول وسألته بحدّة:

— إنت مين؟ وإزاي عرفت مكاني واسمي؟ ولو تبع حسام، أحب أقولك إن الباب اللي رجّعه يرجعك، ومش هزردد ثانية واحدة في إني أطلب البوليس!

ابتسم بهدوء وقال بسرعة:

— لا يا مدام فريدة، اطمني.. أنا مش تبع حسام خالص. أنا المستشار القانوني لشركة “التجارة والتعمير الكبرى”، واسمي “يوسف الشريف”. وجاي أقولك خبر هيغيّر حياتك تمامًا، ومرتبط بآخر وصية سابها والدك الله يرحمه قبل ما يتوفى بأيام معدودة.

قلبي دق بسرعة، وفتحت الباب على آخره وقلت بصوت مرتعش:

— وصية بابا؟! اتفضل.. ادخل!

دخل يوسف وقعد في الصالون، وطلع من شنطته ظرف مغلق بختم رسمي قديم، وطلع منه ورق وأوراق تانية كتير، وبص لي وقال:

— أبوكي الله يرحمه، المرحوم الحاج محمود، كان راجل عبقري وبعيد النظر جداً. قبل ما يتوفى، حس إن جوزك (حسام) طماع وبيتغير، فعمل خطة احتياطية ثانية خالص غير العقار والشركات اللي استرديتيها. هو أسس مؤسسة استثمارية ضخمة برة البلاد، وسجل كل أسهمها باسمك السري وباسم ابنك اللي لسه هيجي في المستقبل (حمزة)، وكتب في الوصية شرط أساسي: إن الشركات دي ما تدورش إلا بإدارة شخص أمين وشريك حقيقي يحب اسم العيلة ويكون كفء للمكانة دي، مش مجرد موظف أو زوج خائن!

بصيتله بذهول ومش مصعقة وداني وسألته:

— يعني إيه؟

يوسف طلع عقد وواثقه قدامي وقال بابتسامة واسعة:

— يعني الشركات دي تضاعفت أرباحها خلال السنين اللي فاتت، وبقت دلوقتي واحدة من أكبر الكيانات الاقتصادية في السوق العربي، وبناءً على الوصية، إنتي دلوقتي رئيسة مجلس الإدارة الفعلية، ومعاكي ثروة تخليكِ سيدة أعمال من أثرياء البلد، ومعاكي حق التوقيع والإدارة الكاملة من غير ما تحتاجي لحد في الدنيا!

في اللحظة دي، حمزة صحي من النوم وفك صياح خفيف، جريت عليه وشيلته في حضني، ودموع الفرحة نزلت على خدّي بغزارة. حسيت إن روح بابا بتبص عليّا من السما وبتقولي: “أنا سبتلك درع وقوة يحموكي إنتي وابنك لآخر عمركم”.

بصيت ليوسف وقلت بصوت قوي وثابت:

— اعتبر الإجراءات بدأت من اللحظة دي يا أستاذ يوسف… أنا جاهزة أتحمل المسؤولية، وأكون قد ثقة بابا الله يرحمه.

أما عن حسام؟ بعد ما خرج من السجن بعد فترة قصيرة بسبب تنازلات شكلية، حاول يرجع يلف ويدور ويدور عليا في كل مكان، بس كان خسر كل حاجة للأبد؛ فلوسه، شركاته، كرامته، وعيلته. وبقى مجرد عبرة لكل شخص يبيع الوفاء بالخيانة.

أما أنا، فوقفت قدام المرايا في بيتي الجديد، حاضنة ابني “حمزة” اللي مالي عليّ الدنيا ضحكته وبرائته، ولبست أقيم الثياب، ونزلت أخد خطوتي الأولى في عالم رجال الأعمال، وأنا رافعة راسي ومؤمنة تمامًا بإن:

“الست القوية اللي بتتكسر، بتقوم أشرس وأقوى، ومفيش قوة في الأرض تقدر توقف طريقها!”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى