روايات وقصص

بعد وفاة أبويا حكايات اسما 2

قعدت على الكرسي في مكتب الأستاذ رأفت وأنا حاسة إن الكلمات بتتردد في ودانّي زي الصدى المرعب: “الشرط الوحيد عشان تاخدي ميراثك البسيط وشقتك هو إنك تطلقي جوزك وتثبتي استقلالك!”

الأستاذ رأفت سابني أستوعب الصدمة، وفضل قاعد ساكت ومبصلي بابتسامة هادية كلها ثقة. بعد دقايق من الصمت التام، رفعت عيني ليه وسألته بصوت مكسور لكنه ثابت:

— يعني بابا الله يرحمه كان عارف كل ده من الأول؟ كان عارف إنه هيطمع في تعبه وشقى عمره ويسيب شغله؟

رد الأستاذ رأفت بهدوء وهو بيقفل الملف الأسود قدامه:

— أبوكي الله يرحمه كان راجل داهية وخبرته في الدنيا واسعة جدًا. قعد معايا قبل رحيله بشهرين، وقالي بالحرف: “يا رأفت، أنا عشت عمري كله أشتغل وأحوش عشان بنتي ترتاح، بس جوزها طول عمره بيبص لوراي وعينه في لقمتنا. لو سيبت الورث كده، هيضيعه في شهور ويهين بنتي ويقعدها على الحديدة. أنا لازم أحميها حتى وأنا ميت، ولازم أكشفهالها على حقيقته.”

نزلت دمعة حارة على خددي، وحسيت بفخر كبير بأبويا وحكمته، وفي نفس الوقت بوجع رهيب من الـ 22 سنة اللي عشتهم مع راجل كل همه الفلوس ومظاهر السيطرة.

سألت المحامي بلهفة:

— طب والعمل يا أستاذ رأفت؟ لو جوزي عرف بالوصية دي، أو لو مقلتلوش وعاشنا في الوهم ده، إيه اللي هيحصل؟

ابتسم الأستاذ رأفت وقال:

— جوزك أصلاً عايش في وهم كبير ومصّر يصدقه. هو مفكر إن الشركات والأراضي والملايين لسه موجودة، وعمال يوزع فيها يمين وشمال زي ما شوفتي بنفسك. الوصية قانونية وموثقة في الشهر العقاري، ومفيش أي قوة في الدنيا تقدر تغير شرط من شروطها. يا إما تختاري الاستقلال وتنفذي وصية أبوكي وتاخدي حقك والشقة، يا إما تفضلي على ذمته وتخسري كل مليم، والفلوس كلها تروح للجمعيات الخيرية، وساعتها جوزك وأهله هيطلعوا من المولد بلا حمص!

قمت من مكاني، مسكت الشنطة بتاعتي، وقولت للأستاذ رأفت بنبرة قاطعة:

— أنا فهمت كويس المفروض أعمل إيه. شكراً يا أستاذ رأفت، هفكر في الخطوة الجاية وأرجعلك في أقرب وقت.

ركبت عربيتي، وطول الطريق وأنا بسوق، عقلي كان بيغلي. تذكرت كل مواقفه معايا، وكل مرة استصغرني فيها، وكل مرة خد فيها قرار من غير ما يأخذ رأيي، وآخرهم لما ساب شغله وقعد يخطط عشان يوزع فلوس أبويا على أخته وابنه وكأنها غنيمة!

وصلت البيت، وفتحت الباب بالمفتاح. أول ما خطيت جوه، لقيت البيت مقلوب! جوزي كان قاعد في الصالون، وحوله أخته وأمه وابنه، وكانوا بيتناقشون بصوت عالي جداً عن تصميم الديكورات للفيلا الجديدة في التجمع الخامس.

أول ما شافني، جوزي قام من مكانه ببرود وقال بسخرية:

— أهلاً بـ “الهانم”! كنتي فين من الصبح؟ سيبتينا قاعدين بندور ونخطط لوحدنا؟ وبعدين تعالي هنا، أختي كلمت المهندس المعماري، ومحتاجين ندفع مقدم الفيلا بكرة الصبح بدري، جهزي نفسك عشان تروحي معايا البنك تسحبي الفلوس!

وقفت قدامه بثبات غريب، وبصيت له ولأهله نظرة أخيرة خلتهم يسكتوا, حسيت إن روحي القوية اللي أبويا ربا عليها رجعتلي تاني.

سألته بصوت هادئ لكنه رنين في أرجاء الشقة:

— فلوس إيه اللي هنسحبها بكرة الصبح؟

ابتسم باستهزاء وقال:

— فلوس أبوكي طبعا! هو إنتي لسه هتهزري؟ يلا خلصينا، جهزي نفسك عشان بكرة ورانا مشاوير كتير، وأنا أصلا قدمت استقالتي ومرتاح ومش ناقص وجع دماغ!

ساعتها، ماقدرتش أتمالك نفسي من الضحك.. ضحكت بصوت عالي ومستفز خلى أمه وأخته يبصوا لبعض بقلق.

اتعصب جوزي وقال بصوت عالي:

— إنتي بتضحكي على إيه؟! اتجننتي ولا إيه إللي جرى لك؟!

بصيت في عينه مباشرة وبكل قسوة قولتل:

— الضحك على الهبل اللي إنت عايش فيه! إنت بجد مفكر إنك ملكت الدنيا عشان أبويا رحل؟ إنت مفكر إنك هتاخد فلوس وتوزعها على أختك وابنك وأنت قاعد حاطط رجل على رجل؟

حماتي قامت وقالت بغضب:

— إنتي قليلة الأدب! إزاي كلمي ابن جوزك وابني كده؟ دي فلوس عيلتكم خلاص!

قاطعتها بصوت حاسم قاطع:

— عيلتنا مين؟! اصحوا من الوهم اللي أنتوا فيه! أبويا الله يرحمه قبل ما يرحل، كتب وصية رسمية وموثقها في الشهر العقاري!

اتصلب جسم جوزي، وابتسامة الغرور اتلغت من على وشّه تماماً، وبصلي بصدمة وقال:

— وصية إيه؟! بتقولي إيه؟!

كملت كلامي وأنا باصة له بتشفّي:

— بقولك أبويا ما سابلكش ولا مليم! الشركات والأراضي والملايين راحت للجمعيات الخيرية! ومفيش لي أنا شخصياً غير شقة واحدة ومعاتب بسيط… بشرط واحد بس!

أخته قامت بصراخ وقالت:

— شرط إيه؟! بتقولي إيه يا نصابة أنتي؟! أخويا وعدني بفيلا وعشرة مليون!

بصيت لجوزي اللي كان وشه أصفر وعرقه بيصب بغزارة، وقولت له بابتسامة باردة:

— الشرط هو إني أطلقك فورًا وأخلص منك ومن طمعك للأبد! لو فضلت على ذمتك، مفيش جنيه واحد هيطلع من الوصية، وإنت وأهلك هتطلعوا من المولد بلا حمص!

الكلمات نزلت عليهم كالصاعقة الحقيقية. حماتي صرخت ولطمت على وشها، أخته قعدت تعيط بانهيار وتقول إن جوزها ضيع مستقبلها، وابنه وقف مذهول ومش مصدق إن الشقة راحت!

أما جوزي، فوقف مكانه متجمد كأنه تمثال، وبص لي بعيون واسعة وقال بصوت مرتعش:

— إنتي… إنتي بتهزري صح؟! أبوكي ما عملش كده! إنتي بتكدبي عشان متخلينيش أساعد أهلي!

فتحت شنطتي وطلعت صورة من أوراق المحامي والوصية الرسمية، ورميتها على الترابيزة قدامه وقلت:

— دي أوراق المحامي والوصية الموثقة يا ابن عمري اللي اخترته غلط! البخت اللي ضيعته بجهلك وطمعك.. ويلا، اقلب وشك بره الشقة دي، لأنها بقت بتاعتي لوحدي بموجب الوصية، ومستنيك بكره عند المأذون عشان نخلص للنهاية!

سبتهم في صدمتهم وعياطهم وانهيارهم، ودخلت أوضتي، قفلت الباب، حسيت لأول مرة من 22 سنة إني بقيت حرة، وإني قدرت أصون تعب أبويا وأنفذ وصيته بكل قوة وحكمة.

خرجت من أوضتي وأنا حاملة شنطة السفر البسيطة اللي لميت فيها هدومي وأوراقي المهمة، ووقفت في الصالون قدامهم للمرة الأخيرة. أخته كانت قاعدة على الكنبة بتعيط بحرقة وتندب الحظ، وحماتي ماسكة راسها من الصدمة، أما هو فكان واقف في نص الأستوديو مذهول، عيونه زايغة ومش مصدق إن الحلم اللي عاش فيه يومين اتقلب لكابوس مرعب ضيع عليه شغله ومستقبله وكرامته في ثواني.

بصيت له نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر، وقولت بصوت حاسم:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى