
— مستنياك بكرة الصبح الساعة عشرة عند مكتب الأستاذ رأفت، عشان نخلص الموضوع بهدوء ومن غير فضايح أكتر من كده. ولو فكرت تماطل أو تعمل مشاكل، الأوراق كلها في ايد القانون والمحامي، وهعرف أخد حقي بالقانون زي ما أبويا علمني.
سبتهم في انهيار تام، وفتحت باب الشقة وخرجت وأنا حاسة بوزن السنين كله بينزاح من على كتفي. ركبت عربيتي وسوقت لحد الشقة القديمة اللي بابا كان سابها لي في منطقة هادية، أول ما دخلت وقفت في البلكونة أخدت نفس عميق، وحسيت بريحة بابا حواليا كأنه بيطبطب عليا وبيقولي إني عملت الصح.
تاني يوم الصبح، في ميعادنا المظبوط، فتحت باب مكتب الأستاذ رأفت. لقيت المحامي قاعد ومستنيني، وبعد دقايق، باب المكتب اتفتح ودخل جوزي. منظره كان متبهدل، عيونه حمرا من السهر، ومكسور الكبرياء والغرور اللي كان ملازمه طول عمره.
قعد على الكرسي المقابل ليا، وبص للأستاذ رأفت بصوت مرتعش وقال:
— هو… هو الكلام ده بجد؟ مفيش أي حل تاني؟ الوصية دي نهائية؟
بص له الأستاذ رأفت ببرود وفتح الملف وقال:
— الوصية موثقة ومعتمدة ومفيش فيها أي ثغرة. والد المرحومة كان راجل فاهم هو بيعمل إيه كويس، وشترط التلاتة الشرفاء: الانفصال التام، استقلال المدام التام، وضمان عدم وصول أي مليم من تركة والدها ليك أو لأهلك.
بص لي جوزي نظرة كلها توسل وكسرة، وقال بصوت منخفض:
— للدرجادي يا أميرة؟ بعد 22 سنة جواز وعشرة عمر، تبيعينا عشان فلوس ووصية؟ أنا أبو ولادك…
قاطعته بصوت قوي وثابت ودموع الفخر بتلمع في عيني:
— أنا ما بيعتش حد يا فلان، إنت اللي بيعت العشرة أول ما أبويا رحل، وقعدت توزع في فلوس مش بتاعتك وتخطيط تهين تعبه وشقى عمره! إنت حبيت الفلوس وظهرك للمشاعر، وأنا نفذت وصية راجل سابني وعارف إنت مين على حقيقتك. يلا، خليني أخلص منك وأعيش باللي سابهولي أبويا وأنا مرفوعة الراس.
قدام الإصرار والواقع المرير، ما لقاش قدامه غير إنه يوافق. خلصنا الإجراءات القانونية وأوراق الطلاق الرسمية في أسرع وقت، وخرجت من مكتب المحامي وأنا مطلقة، حرة، ومالكة حياتي وشقتي الجديدة بأسلوب يليق بكرامتي وباسم أبويا الله يرحمه.
رجع أهله ليهم، ولقى نفسه من غير شغل، من غير فلوس، ومن غير الفيلا والشقق اللي وعد بيها أخته وابنه، وبقى يقضي أيامه في الندم على طمعه اللي ضيع عليه كل حاجة. أما أنا، فوقفت قدام مرايتي، ابتسمت، وهمست لنفسي: «ارتاح يا بابا في مرقدك، بنتك بقت قوية ومش هتنكسر أبدًا!»
مرت سنة كاملة على اليوم اللي غير حياتي للأبد.
سنة كاملة حسيت فيها بطعم الحياة الحقيقية، بعيد عن سيطرة شخص كان شايفني مجرد ظل له، وبعيد عن طمع أهله اللي كانوا فاكرين إن تعب أبويا غنيمة باردة يقسموها براحتهم.
بعد الطلاق، نفذ الأستاذ رأفت كل بنود الوصية بدقة شديدة. استلمت شقتي الهادية، والمبلغ المالي البسيط اللي سابهولي بابا، وفتحت حساب خاص بيا، وبدأت أعتمد على نفسي في كل تفاصيل حياتي. في الأول كانت الفترة صعبة، وكنت بحس بالوحدة أحيانًا، خصوصًا بعد عشرة 22 سنة، لكن مع الوقت، شعور الحرية والراحة النفسية غلب أي إحساس تاني. بقيت بصحى الصبح أشرب قهوتي بهدوء، وأخرج أتمشى من غير ما أسمع صوت أمر أو تكسير مجاديف، ومن غير ما أشيل هم حد بيبص في لقمة عيشي أو بياخد قرارات تخصني من ورا ضهري.
أما عن طليقي وأهله، فالدنيا دارت بهم دورة كاملة وقاسية جداً.
لما عرفوا إن الكلام كان جد ومفيش مليم واحد طالع لهم من تركة أبويا، الحكاية اتقلبت كابوس حقيقي. هو كان قدم استقالته فعلاً واعتماداً على وهم الملايين والفلوس اللي تخيل إنه هيورثها، لقى نفسه فجأة قاعد في البيت من غير شغل، من غير دخل، وبسن الـ 55 سنة مفيش شركة قبلت ترجعه لشغله القديم بنفس الدرجة والراتب، ده غير إن المعارف والشركات بقت تتهرب منه بعد ما عرفت قصته وطمعه.
أما أخته، فاللي كانت بتحلم بالفيلا في التجمع الخامس والعشرة مليون جنيه، اتصدمت بصدمة عمرها، وجوزها عمل معاها مشكلة كبيرة لأنها فضلت تزن عليه وتمنيه بأحلام وهمية. وابنه من جواز سابق، اللي كان بيخطط للشقة التمليك، اضطر يدور على شغل بنفسه ويبدأ من الصفر بعد ما باباهم عجز عن تحقيق أي وعد من اللي وعدهم بيه.
الناس في العيلة والعمارات اللي حوالينا بقوا يضربوا المثل بالقصة دي، وبقوا يقولوا: «طمع الغبي ضيع عليه الملايين والبيت!»
في يوم جمعة، كنت قاعدة في البلكونة بشرب قهوتي الصبح، والشمس دافية ولطيفة، والجو هادي وجميل. بصيت لسماء الصافية، وتذكرت ريحة برفان بابا ونضارة القراءة بتاعته اللي سابها على الترابيزة يوم رحل، ونزلت دمعة حنين من عيني، لكنها مكنتش دمعة ضعف، دي كانت دمعة شكر وعرفان.
همست بصوت مسموع والدموع بتلمع في عيني:
— شكراً يا بابا… شكراً إنك حمايتني حتى وأنت في دار الحق، وعلّمتني إن الكرامة أغلى من أي فلوس في الدنيا!
قفلت باب البلكونة ودخلت أكمل يومي، وأنا متأكدة إن اللي جاي أفضل بكتير، وإن الإنسان لما بيحفظ كرامته، ربنا بيعوضه براحة بال ما تتقدرش بثمن.




