روايات وقصص

بعد وفاة أبويا حكايات اسما 4

قعدت باصّة للمفتاح الصغير والورق اللي قدامي، ولسه نبرة كلام مدام فاطمة بتتردد في ودانّي. حسيت إن الأوضة بتلف بيا، مش من الصدمة السلبية زي المرة اللي فاتت، لأ… دي صدمة فرحة وذهول من حب أبويا وذكائه اللي ملوش حدود.

سألت مدام فاطمة بصوت بيترعش من كتر التأثر:

— يعني… يعني بابا الله يرحمه مش بس حرمني من الطماعين، ده كمان أمن لي مستقبل مالي كامل بعيد عن أي عين تانية؟!

ابتسمت مدام فاطمة بحنان وشدت على إيدي وقالت:

— يا بنتي، أبوكي ده كان راجل عبقري. طول عمره كان بيشتغل بصمت، وكل الأرباح اللي كانت بتطلع من مشاريع خاصة جداً كان بيشيلها في حساب وخزنة سرية مفيش مخلوق في الدنيا كان يعرف مكانها غيره هو وأنا شخصياً بصفتي مسؤولة الحسابات اللي كنت بخلص له الأوراق دي. لما تعب وحس إن أيامه معدودة، قعد معايا وقالي: «يا فاطمة، بنتي غلبانة ومستحملة كتير، ولو سبت الفلوس دي في العادي، جوزها هيضيعها في شهور، ولو حرمته خالص هيفتكر إنه خرج صفر اليدين، لكن أنا هعمل وصيتين: وصية ظاهرة تحميكي وتنضف حياتك من الطمع، ووصية خفية تكون مفاجأة العمر لبنتي لما تثبت جدارتها وتقف على رجليها لوحدها!»

نزلت دمعة حارقة من عيني، لكنها كانت دمعة فخر وامتنان لا توصف. مسكت المفتاح بجدية وبصيت لمدام فاطمة وقولت:

— طيب يا مدام فاطمة، المفتاح ده يفتح إيه؟ وفين الخزنة دي؟

طلعت مدام فاطمة ورقة تانية من الظرف وقالت:

— الخزنة دي موجودة في فرع البنك المركزي الرئيسي وسط البلد، وفيها الأوراق والأسهم والمبالغ الطائلة اللي تخص الصندوق الاستثماري الخاص بكي. وبصفتي الوصية على تنفيذ رغبة أبوكي الإدارية، أنا جاهزة أجي معاكي بكرة الصبح بدري عشان نفتح الخزنة وتستلمي كل حقوقك القانونية والمالية كاملة مكملة، ويبدأ فصل جديد تماماً في حياتك.

شكرت مدام فاطمة بحرارة، وودعتها بعد ما اتفقنا على ميعاد بكرة الصبح قدام باب البنك.

طول الليل مجاش لي نوم. كنت قاعدة في الصالون بصص للمفتاح الصغير ده وكأن مفتاح الجنة بين إيديا. تذكرت كل سنين القهر والضغط، وكل كلمة جارحة، وكل لحظة حسيت فيها إن تعب بابا ممكن يضيع هباءً… لكن حكمة ربنا سبحانه وتعالى ثم دهاء وحب أبويا كانوا أسبق وأقوى من أي طمع بشري.

تاني يوم الصبح، السبت، صحيت في كامل نشاطي. لبست لبس شيك وأنيق، ونزلت ركبت عربيتي ورحت على ميعادي قدام البنك.

لقيت مدام فاطمة في انتظارني. دخلنا سوا، وبإجراءات قانونية سريعة وموثقة، وبأوراق الوصية ومفتاح الخزنة، توجهنا لغرفة الخزائن الحصينة في البنك.

موظف البنك فتح الخزنة الكبيرة قدامي، وسابنا دقايق لوحدنا.

لما فتحت باب الخزنة، اتصدمت من اللي شوفته! ملفات مالية ضخمة، عقود أراضي وممتلكات استثمارية، وشيكات وأسهم باسمي أنا وحدي، ده غير مبالغ نائلة ضخمة تكفي تفتح أكبر مشاريع الدنيا.

حطيت إيدي على بقي من الفرحة، وبصيت لمدام فاطمة وقولت بصوت متهدج:

— بابا… بابا كان شايل ده كله ليا أنا؟!

ردت مدام فاطمة وهي ببتسم:

— وعمل أكتر من كده بكتير يا بنتي.. أبوكي كان بيحبك حب كبير، وعايزك تبدأي حياتك ملكة مش محتاجة لحد، وتقدري تعملي مشاريع خيرية واسعة باسمه وباسمك.

خلصنا كل إجراءات الاستلام، وخرجت من البنك وأنا حاسة إن الهوا بقى أطعم وأخف. ركبت عربيتي، وبدل ما أروح البيت، سقت مباشرة لحد المقابر.

وصلت عند قبر بابا، وقعدت جنبه على الأرض الهادية، ونضفت التراب، وطلعت مفتاح الخزنة والورق، وحطيتهم جنب الشاهد بهدوء، وهمست بصوت عالي والدموع بتلمع في عيني من الفرحة:

— أنا جيت أقولك يا بابا… بنتك فتحت الخزنة، وبقت قوية وغنية ومش محتاجة لأي حد في الدنيا دي غيرك.. شكراً يا أعظم أب في الوجود، شكراً لأنك سبت لي إرث أخلاقي ومادي مايتقدرش بثمن!

قعدت ساعات أقرأ القرآن وأدعي له، ورجعت بيتي وأنا عارفة إن القصة دي مش بس حدوتة عادية، دي حكاية نصر لكل ست صبرت واحتسبت وحافظت على كرامتها.

مرت أسابيع قليلة بعد يوم البنك التاريخي ده، وحياتي اتحولت تدريجيًا لمنعطف مذهل ومشرق مكنش أبداً في الحسبان. الفلوس والمشاريع والأوراق اللي سابها لي بابا في الخزنة السرية مكنتش مجرد ثروة مادية عادية، دي كانت طوق نجاة حقيقي وبداية جديدة قدرت من خلالها أحقق أحلام طالما أُجبرت إني أدفنها جوّاة قلبي.

أول خطوة عملتها بجدية ووعي كامل، هي إني أسست مؤسسة خيرية كبرى باسم أبويا الله يرحمه. المؤسسة دي خصصتها لمساعدة الغلابة، وتجهيز العرائس اليتامى، وتقديم رعاية صحية واجتماعية لكل محتاج في بلدنا. كنت بنزل بنفسي أتابع كل تفصيلة صغيرة وكبيرة، وكنت بشوف في عيون الناس البسطاء وهم بيدعوا لأبويا دعاء صادق من القلب، راحة وسكينة عمر ما حسيت بهم قبل كده. الفلوس لما بتنصرف في الخير وبطريقة صح، بتطرح بركة ملهاش حدود.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى