
وفي وسط الانشغال ده كله، وتأسيس مشاريعي الاستثمارية الخاصة اللي بقت تدير أرباح ضخمة بفضل الله ثم بفضل ذكاء بابا وتخطيطه السليم، حياتي الشخصية والنفسية دخلت في مرحلة سلام تام ونقاء داخلي. بقيت أصحي كل يوم الصبح بدري، أفتح شباك بيتي الهادي، أشم الهوا النقي، وأشرب قهوتي وأنا حاسة بمليون نعمة ونعمة. لا فيه حد بيتحكم في قراراتي، ولا فيه صوت عالي بيزعج راحتي، ولا فيه حد بيبص في لقمة عيشي ولا بيطمع في تعبي وشقى عمري.
في يوم خميس بليل، كنت قاعدة على مكتبي الخاص في البيت، براجع بعض الحسابات والملخصات الخاصة بالمؤسسة الخيرية، ولقيت الباب يخبط خبطات خفيفة ومترددة.
استغربت جداً! مين ممكن ييجي يخبط على بابي في الوقت متأخر نسبياً ده؟
قمت بخطوات ثابتة وهادئة، وفتحت باب الشقة بحذر.
اتصدمت لما لقيت قدامي ست شكلها مهدود، ملامحها مكسورة، وواضحة عليها علامات التعب والندم الشديد. بصيت كويس ولقيتها… طليقة أخويا، قصدي أخت طليقي السابقة! الست اللي كانت يوم من الأيام واقفة في الصالون عندي بكل غرور وتكبر بتطلب الفيلا في التجمع الخامس والعشرة مليون جنيه!
وقفت قدامي مرتعشة، وبصت للأرض بصوت مكسور وضعيف وقالت:
— أميرة… أرجوكِ، ما تقفليش الباب في وشي. أنا عارفة إن ملوش أي حق أجري عليكي ولا حتى أنطق اسمك بعد اللي عملناه معاكي… بس والله العظيم أنا في كابوس ما يعلم بيه إلا ربنا.
بصيت لها ببرود وهدوء تام، وحسيت إن الزمن بيلف دورة كاملة عشان يثبت إن الظلم طبعاً له نهاية، وإن جزاء الطمع أقسى بكتير مما نتخيل.
سألتها بصوت ثابت وخالي من أي تعبير:
— خير يا فلانة؟ جاية عندي ليه؟ وفين أخوكي وفين الفلوس والفيلا اللي كنتِ بتطلبيها؟
انهارت في العياط وقالت وهي بتعصر إيديها في بعض:
— أخويا اتقهر ومبقاش فيه حيل يقف على رجله، قاعد في الشقة الإيجار القديمة، وحالته بتسوء من الندم والمرض، ومحدش راضي يبص في وشه بعد ما ضيع كل فرص حياته. وأنا… أنا جوزي طلقني وسابني بعد ما عرف إننا طلعنا من المولد بلا حمص وإن كل الكلام اللي كنا بنبنيه كان وهم في وهم، وبقيت عايشة مع عيالي في غرفة صغيرة عند ناس أطراف قريبة لينا بالعافية! أنا جاية أقولك حقك عليا، وجاية أطلب منك… أي مساعدة، حتى لو صدقة، عشان ولادي محتاجين!
قلبي تأثر للحظة من منظرها المنكسر، بس تذكرت كل كلمة جارحة قالتها لي يوم وفاة أبويا، وتذكرت استهزاءهم بتعب وشقى عمري وأبويا المرحوم.
خدت نفس عميق، وبصيت لها وقولت بنبرة حازمة وحكيمة:
— أنا مش هردك، ومش هشفّي غليلي فيكي، لأن ربنا أكبر وأقوى من الكل. وبالنسبة لعيالك الأبرياء اللي مالهمش ذنب في طمعكم، أنا هأمر مؤسسة بابا الخيرية تصرف لهم معاش شهري ثابت يسترهم ويعلمهم، وهبعت لكم مساعدات كافية لحد باب بيتكم… بس كرماً منك، ومن غير ما تشوفي وشي تاني، ومن غير ما تطمعي في أكتر من كده. كل واحد يا فلانة بياخد نصيب اللي زرعه بإيده، وأبوكي وأخوكي زرعوا الطمع وحصدوا الندم، وأنا زرعت الصبر والكرامة وحصدت رضا ربنا وستر الدنيا.
بصت لي بصدمة ودموع الامتنان والانكسار بتنزل بغزارة، وقعدت تدعي لي بصوت عالي:
— ربنا يكرمك ويعزك يا أميرة… إنتي طلعتي أحسن وأطهر بكتير ما كنا نستهال!
قفلت الباب بهدوء، ورجعت قعدت على مكتبي. حسيت برِياح السلام والرضا بتملى روحي. فتحت أجندتي الخاصة، وكتبت في أول صفحة بخط كبير وواضح:
“الحمد لله الذي نجاني من أهل الطمع، وأكرمني بعز النفس وكرامة الأب العظيم، وحياة تليق بملكة حقيقية.”
وما زالت الحكاية مستمرة، وأجمل ما فيها إنها بتاعتي أنا وحدي!
مرت السنين، وبقت حياتي عنوان للسلام والنجاح اللي بنيته بدموع الصبر وحكمة أبويا الله يرحمه. مؤسسة بابا الخيرية بقت واحدة من أكبر المؤسسات اللي بتخدم آلاف المحتاجين واليتامى، وكل قرش فيها كان بيطرح بركة في حياتي وفي مشاريعي اللي بقت شايله اسمي بكل فخر وعز.
بقيت أصحى كل يوم الصبح، أفتح شباكي على نفس البلكونة الهادية، أشم الهوا النقي، وأشرب قهوتي وأنا حاسة بمليون نعمة ونعمة. مفيش هموم تكسرني، ومفيش حد يقدر يقلل من قيمتي تاني أبداً. الكرامة اللي اتعلمتها من أبويا بقت درعي وحصني المنيع.
وفي يوم جمعة، نزلت كالعادة أزور قبر بابا. قعدت جنبه على الأرض الهادية، ونضفت التراب من على الشاهد، وابتسمت بحب واشتياق كبير، وهمست بصوت مسموع والدموع بتلمع في عيني:
— أخيرًا يا بابا، القصة خلصت، والحكاية بقت كلها نور وخير زي ما كنت تتمنى وأكتر… ارتاح يا حبيبي في قبرك، لأن بنتك فضلت مرفوعة الراس لأخر يوم في عمرها!
قمت من المقابر وأنا حاسّة بخفة طير، راجعة لبيتي وعالمي الجميل اللي صنعته بكتفي، وعارفة كويس إن اللي يحفظ كرامته ورضا ربنا، عمره ما يخسر أبداً، وإن النهايات الحلوة دايماً بتستاهل كل الصبر اللي فات.



