
كنت واقفة استنى بنتي قدام المدرسة وفجأة جاني مسج من جوزي مكتوب فيه: أنا مسافر إيطاليا مع نانا ونقلت كل فلوسنا على حسابي الخاص.. ابقي قابليني بقى لو عرفتي تدفعي مصاريف البيت. بصيت لبنتي وبلعت ريقي من الخضة وكتبت له بكل برود: تسلم إيدك إنك عرفتني. كان فاكر إنه خرب بيتي بس لما طيارته نزلت روما عرف كويس أنا ليه ماترجيتهوش يرجع.
كنت في أربع وثلاثين من عمري لما جوزي إيهاب أنهى جوازنا اللي استمر اتناشر سنة برسايل على الموبايل وأنا واقفة قدام مدرسة بنتي الابتدائية.
قعدت ثواني مش قادرة أنطق.. لقيت بنتي ليلى صاحبة الثامن سنين جارية ناحية العربية وشنطتها بتنط وراها وفرحانة عشان أخذت نجمة في الحساب. غصبت نفسي وابتسمت لها.
بعدين كتبت أربع كلمات بس: تسلم إيدك إنك عرفتني.
إيهاب كان فاكرني مصدومة بس الحقيقة إني كنت شاكة فيه من تلات أسابيع. كان داري موبايله وبيعمل مكالمات عمل متأخرة وبيسأل أسئلة غريبة عن فلوسنا لو ممكن تتسحب من بره البلد. قبلها بيومين لقيت إيصال فندق باسم نانا اللي بتشتغل معاه مستشارة في الشركة. خدت نسخة من الإيصال وروحت لمحامية شاطرة اسمها سارة.
سارة قالتلي بلاش تواجهه دلوقتي وقالتلي لو نقل أي فلوس وثقي كل حاجة وكلميني فوراً.
وفي العربية وليلى بتاكل بسكوتها ورا، صورت مسج إيهاب وبعته لسارة.
حسابنا المشترك كان فيه حوالي ستة وثمانين ألف دولار، ومعظمهم تعبنا فيهم طول سنين الجواز. وعلى ما وصلت البيت كان الباقي مية وربعتاشر دولار بس! إيهاب حول كل حاجة لحساب جديد باسمه.
سارة اتحركت بسرعة وطلبت طلب مستعجل من القاضي عشان تمنع أي تلاعب في أموال الزوجية، وبعتت رسايل التحويل وإيميلات إيهاب للبنك. وأنا كمان غيرت باسوردات حساباتي وجمعت عقود البيت والأوراق المهمة.
طيارة إيهاب نزلت روما الصبح بدري.
الساعة تسعة وستاشر دقيقة، موبايلي رن. وكان بيزعق قبل حتى ما أقول ألو.
قال بغضب: إنتي عملتي إيه في حسابي؟!
فضلت ساكتة.
قال بحدة: الكارت بتاعي اترفض والبنك بيقول الفلوس متحفظ عليها!
وبعدين ظهر صوت تاني في التليفون.. نانا وهي بتقول: يا إيهاب إنت قولتلي إن الشقة إتدفعت خلاص!
بصيت لليلى وهي بتفطر على ترابيزة المطبخ ورديت عليه أخيراً: لأ يا إيهاب.. إنت اللي عملت اللي في مزاجك ودفعت التمن.
سكت شوية وبعدين ووطى صوته وقال: يا رشا.. أنا كمان رهنت البيت عشان السفرية دي.. يعني لو البنك ما فكش التحفظ عن الحساب، الشقة هتضيع ونانا مش هتسيبني، إنتي لازم تتكلمي مع المحامية وتلغي الطلب ده فوراً!
سمعته وابتسامة هادية اترسمت على وشي، ابتسامة حد كان متوقع كل خطوة. بصيت لليلى وهي بتشرب اللبن وبترسم في كراستها، ورديت بنبرة خالية تماماً من أي انفعال: “ورق الرهن اللي إنت عملته من ورايا، المحامية سارة أخدت منه نسخة من أسبوع فات.. إنت فاكر إنك بتلعب لوحدك يا إيهاب؟ الرهن غير قانوني لأن البيت مكتوب باسمنا إحنا الاتنين، والطلب اللي أخدناه من القاضي مش بس بيحفظ الفلوس، ده كمان بيجمّد أي تعامل على البيت!”
صوت نانا وراه كان بيعلى أكتر، وكانت بتتخانق مع موظف الاستقبال في الفندق بلغة إيطالية مكسرة، وصوت إيهاب بدأ يترعش: “رشا، إنتي بتدمريني! أنا بره البلد معنديش ولا مليم أدفعه للفندق، والشرطة هنا ممكن تتدخل لو مادفعتش مصاريف الإقامة والشقة اللي أجرناها!”
قلت له بكل هدوء: “دي مشكلتك إنت ونانا.. إنت اللي قررت تسافر وتلعب بفلوسنا وفلوس بنتك. من هنا ورايح كلامك مش معايا، كلامك مع سارة المحامية.” وقبل ما ينطق بأي كلمة ثانية، قفلت السكة في وشه وعملت لرقمه بلوك.
في نفس اللحظة، الباب خبط. فتحت لقيت سارة واقفة وعلى وشها ابتسامة النصر، ومعاها شنطة أوراق مليانة مستندات. دخلت وقعدت على ترابيزة المطبخ وقالتلي: “إيهاب افتكر إن تحويل الحسابات بره الدولة هيحميه، بس مايعرفش إن البنك المركزي هنا ربط التحفظ بكل الحسابات الدولية المتصلة برقمه القومي. غير كده، إيميلاته مع نانا اللي قدرنا نوصل لها تثبت إنه كان بيخطط لتهريب أموال زوجية وترتيب جريمة احتيال.”
ليلى قامت من على الترابيزة وقربت مني وقالتلي: “مامي، هو بابا مش هيرجع معانا البيت تاني؟”
وطيت مستوى طولها، مسكت إيدها وبستها وقلت لها: “يا حبيبتي بابا اختار طريق تاني، بس أنا وإنتي بيتنا أمان ومافيش أي حاجة في الدنيا تقدر تبعدنا عن بعض أو تأذينا.”
مرت تلات أيام، وكان إيهاب محبوس في موقف لا يحسد عليه في روما. التحفظ على الحسابات خلاه مش عارف يدفع مصاريف الفندق ولا حتى يشتري تذاكر الرجوع. نانا لما عرفت إن كل حسابه اتمسح وإن العقارات مجمدة ومفيش فلوس هتوصل له، سابته في الفندق وأخدت شنطتها واختفت، وسابته يواجه إدارة الفندق لوحده.
في اليوم الرابع، جالي إيميل رسمي من سفارة بلدنا في إيطاليا، ومعاه إخطار من محامي إيهاب الجديد اللي عينه من هناك بعيد عن نانا. المحامي كان بيطلب حل ودي للأزمة وتنازل عن قضية التزوير مقابل إنه يرجع مصر ويمضي على كل التنازلات الخاصة بالبيت والحساب المشترك ورعاية ليلى.




