روايات وقصص

حكايات اسما 2

— هانم مكنتش مراتي يا جنة.. دي كانت أختي التوأم! الجملة نزلت على دماغي . بصيتله ببرود وتشنج وأنا مش قادرة أستوعب: — أختك؟! أمال دولت كانت بتقول إنها عروستك وإنها ماتت في الأوضة دي إزاي؟! نوح وقف باين عليه التوتر، وبدأ رايح جاي في الأوضة ووسع زراير قميصه شوية كأنه مخنوق، وبعدين بصّلي وملامحه كلها قسوة وألم قديم:

 

— دولت هانم وكل اللي في القصر هنا بيتعاملوا مع الحقيقة بالشكل اللي يريحهم. جوزوني هانم زمان غصب عنها.. أقصد، جوزوها لواحد تاني من عائلتنا الكبيرة غصب عنها وعني، عشان أملاك العيلة تفضل جوه السوار، وفي ليلة فرحنا دي بالذات.. وُجدت على السرير اللي أنتِ قاعدة عليه دلوقتي!

حسيت ببرودة سرت في ظهري وأنا ببص حواليا في الأوضة كأن جدرانها بتتكلم، وقلت بصوت مخنوق:

— وموتها له علاقة بيك؟! ليه دولت قالت إنك السبب وإنك عايز تكرر الكارثة معايا؟!

نوح قعد تاني قدامي على ركبه، ومسك إيدي بقوة وكأنه بيمتص خوفي، وقال بنبرة مليانة غل ووعيد:

— لأنهم فاكرين إني انا اللي أو كنت السبب في موتها عشان أستولى على الميراث.. ولأنهم لما عرفوا إني جبتك هنا، اتجننوا! فاكرين إني جايبك ضحية جديدة أو قربان عشان أداري على اللي حصل زمان!

— وأنت.. أنت عملت كده ليه يا نوح؟ لو كنت عارف إن الأوضة دي ملعونة وإنهم هيطلعوا روحي، اتجوزتني ليه؟ ليه اخترتني أنا بالذات من وسط بنات مصر كلهم؟!

نوح بص في عيني نظرة خلت نبضات قلبي تضرب بجنون، وقال بهمس ساحر:

— لأنك الوحيدة اللي شفتها يوم حادثة موت أختي واقفة قدام قسم الشرطة بتدافع عن أبوكي المظلوم بشجاعة خلتني أقول لنفسي: البنت دي مش بس بريئة، دي الوحيدة اللي هتقدر تقف جنبي وتكشف مين هانم بجد!

فتحت عيني على آخرها من الصدمة:

— تقصد إيه؟! تقصد إنك متجوزني عشان… عشان أكون محققة؟! ولا عشان أساعدك تلاقي القاتل؟!
— أقصد إني اتجوزتك لأني حبيبتك من أول لحظة شفتك فيها بتدافعي عن عيلتك.. ولأني واثق إنك الدراع الوحيد اللي هيخلي الحقيقيين يترعبوا!

قبل ما أرد بكلمة واحدة، الباب اتفتح بعنف وفجأة.. دخلت شخصية تانية مرعبة وقفت على باب الأوضة وهي بتضحك بتهكم وصوتها رنان بيملى القصر كله:

— يااه يا نوح.. لسه عايش في دور البطل المنقذ؟ بس للأسف، اللعبة انتهت.. والعروسة الجديدة مش هتلحق تطلع النهار، لأن البوليس في الطريق، ومعاه أمر بإلقاء القبض عليك بتهمة “هانم” مراتك التانية “جنة” قبل ما تبدأ!

التفتت برعب ناحية الباب، ولقيت ست خمسينية عيونها فيها شر مطلق، وبصت لنوح وقالت:

— دي أختك غير الشقيقة.. هدى!

نوح وقف بسرعة البرق وعيونه بترش شرار، وقال بصوت هز جدران القصر:

— خطوتك دي يا هدى هتكلفك حياتك.. ابعدي عن مراتي!

هدى ضحكت بصوت عالي وقالت:

— مراتك هتموت يا نوح.. وزي ما خلصنا على أختك، هنخلص عليها هي كمان!

جريت على نوح من الرعب ومسكت في جلباب بدلة فرحه وأنا بعيط:

— نوح.. أنا مش عايزة أموت! الحقني!

نوح ضمّني لصدره قوّة أول مرة أحس فيها بالأمان الحقيقي وسط جحيم القصر ده، وبص لهدى وقال بصوت هادئ ومخيف:

— تعالي وريني هتعملي إيه، اللعبة بدأت بجد يا ولاد رشاد!

صوت سيارات الشرطة اللي بدأت تزمُّر بصوتها المرعب بره القصر، كان كفيل يخلي الدم يجمد في عروقي. بصيت لنوح برعب وأنا ماسكة في قميصه بكل قوة، ودموعي بتغرق وشي:

— نوح.. الشرطة بره! لو دخلوا ولقوني هنا، وشافوا اتهامات هدى ودولت، هيقبضوا عليك بجد! أرجوك.. فهمني إحنا هنعمل إيه؟!

نوح نزل على مستوايا، مسك وشي بإيديه الاثنين الدافئة وسط البرد والرعب اللي كانوا حوالينا، ونظرة الثقة اللي في عيونه خلت قلبي يهدا شوية رغم جحيم الموقف:

— اسمعيني كويس يا جنة.. بصي في عيوني كويس.. عمرهم ما هياخدوني، وعمرهم ما هيقدروا يأذوكِ طول ما أنا عايش، فاهمة؟ بس دلوقتي.. لازماً نمشي من هنا حالاً!

— نمشي فين؟! القصر كله محاصر والبوليس على الباب!

قبل ما نوح يرد، سمعنا صوت خبط هستيري على باب الأوضة، وصوت ظابط الشرطة بينادي بصوت عالي:

— افتح الباب.. مباحث المنامة! نوح بيه رشاد، مطلوب القبض عليك بتهمة المدعوة “هانم رشاد” والشروع في الزوجة الثانية! افتح الباب حالاً وإلا الكسر هيكون بالقوة!

هدى وقفت بره في الممر بتضحك بصوت عالي كأنها كسبت الحرب خلاص، وقالت بصوت مسموع:

— خلاص يا نوح.. اللعبة انتهت! النهاية جت لحد عندك!

نوح ما استناش ثانية واحدة. جري بسرعة على دولاب خشب ضخم قديم في ركن الأوضة، زقه بقوة فظهرت وراه بوابة سرية صغيرة في الحيطة! اتجمدت مكاني من الشكوك، بس نوح مد إيده وسحبني وراه بسرعة وقال:

— تعالي يا جنة.. مفيش وقت للأسئلة!

دخلنا في ممر ضلمة وضيّق، وقفل الباب السرّي وراه بحذر شديد عشان يرجع الدولاب مكانه. ريحة التراب والرطوبة كانت مالية المكان، والممر كان مظلم تماماً لولا نور كشاف تليفون نوح اللي كان بينور الطريق قدامنا.

كنت ماشية وأنا مرعوبة، رجلي بترجف، وفستان فرحي الطويل بيلتحم في الأرض والأتربة. همست بصوت بيترعش:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى