
الحياة استمرت في إيقاعها الهادئ والجميل، والوقت كان بيمر بسرعة كأنه بيجري عشان يمسح آثار الأثر القديم. بنتي دخلت الجامعة واتحولت لبنت ناضجة، واثقة من نفسها، وفخورة بكل خطوة بتخطوها، وكل ده بفضل ربنا ثم صبري وتضحيات أبوها الله يرحمه.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة في الصالون بظبط ورق قديم يخص الشقة، ولقيت في وسط الكراتين كيس صغير قديم كنت نسياه تماماً. فتحته، ولقيت جواه الجاكيت الشتوي القديم… أيوه، نفس الجاكيت اللي بيعتهولي أختي بـ 800 جنيه، واللي كان سبب النجاة وكشف الحقيقة!
طلعت الجاكيت وبصيت له وبسمة خفيفة اترسمت على شفايفي. تذكرت لحظة ما كنت مكسورة ومنكسرة، والفلوس اللي دفعناها، وخوف أختي الشديد، والمفتاح اللي كان في الجيب. مسكت الجاكيت وفتحت جيبه القديم… لقيت جواه ورقة صغيرة منسية، فتحتها ولقيت بخط إيد جوزي عبارة بسيطة كان كاتبها قبل ما يسافر ويسيبنا:
“يا أميرة حياتي، لو جى يوم ولقيتي نفسك في ضيق شديد، افتكري دايماً إن ربنا كريم، وإن عزة نفسك وكرامة بنتك أغلى من كل كنوز الدنيا.”
دموعي نزلت في ثواني، بس المرة دي مكنتش دموع حزن ولا قهر، دي كانت دموع رضا وامتنان. حضنت الجاكيت ده كأني بحضن ذكرى جوزي الطاهرة اللي فضل حامينا حتى بعد ما مشي عن الدنيا.
في اللحظة دي، دخلت بنتي من باب الشقة، وهي شايلة شنطة كبيرة ومبتسمة بسعادة بالغة، وقالت بصوت عالي:
— ماما! باركي لي! اتقبلت في التدريب اللي كنت بتمناه في أكبر شركة هندسية، وهنبدا من أول الشهر!
جريت عليها وحضنتها بكل قوتي، ودموع الفرحة غرقت عيوني. قلت لها بصوت متهدج من السعادة:
— مبروك يا قلب ماما، تستاهلي كل خير يا أجمل حاجة في عمري.
بصت بنتي للجاكيت اللي في إيدي، وقربت منه ولمسته بحنان وقالت:
— لسه محتفظة بيه يا ماما؟
رديت عليها وأنا ببتسم:
— طبعا يا بنتي، ده مش مجرد جاكيت قديم… ده الشاهد على عزتنا، وعلى إن الحق بيظهر مهما طال الزمن، وإن ربنا دايماً بيكافئ الصابرين.
قعدنا مع بعض نضحك ونتكلم، وحسيت ساعتها إن الدفا الحقيقي مش في الجواكت الشتوية الثقيلة، لكن في الدفا اللي جوه البيت، وفي قلوبنا اللي ملاها الأمان والرضا.
الأيام بقت تجري بينا في أمان وسلام، وكل خطوة جديدة لبنتي كانت بتثبت لي إن ربنا بيكافئ الصابرين عوض ما يتخيلهوش عقل. كلي فخر وأنا شايفاها بتتقدم في جامعتها وبتثبت نفسها بكل كفاءة وثقة، لحد ما جه اليوم اللي توج كل تعبنا وسنين الصبر الطويلة.
كان يوم تخرجها من كلية الهندسة. القاعة كانت مليانة أهالي وطلبة، والأنوار كانت مسلطة على مسرح الاحتفال. كنت قاعدة في الصفوف الأمامية، ولابسة أحسن ما عندي، ومسكة بوكيه ورد كبير بإيدي اللي كانت بتترعش من كتر الفرحة.
لما جه دورها وسمعوا اسمها في مكبرات الصوت، طلعت على المسرح بخطوات ثابتة ومرفوعة الراس. بصيت لفوق ودموع الفرحة ملايين في عيني، وهمست لنفسي بصوت مسموع:
— شفت يا أبو بنتي؟ بنتك بقت مهندسة، وبقت حتة مني ومن كرامتك اللي ما فرطتش فيها أبدًا.
بعد ما الحفل خلص، جريت عليا وهي لابسة روب التخرج وماسكة درع التكريم، وحضنتني بكل قوتها وقالت بصوت مدمع من السعادة:
— النجاح ده ليكي إنتِ يا ماما… لولاكي انتِ وصبرك وثباتك، مكنتش هكون في المكانة دي أبدًا. الله يرحم بابا، لو كان معانا كان هيبقى فخور بينا أوي.
حضنتها وبوست راسها وقلت لها:
— وهو بيفرح معانا يا حبيبتي، روحه حوالينا ودايماً سندنا.
رجعنا البيت، وكان اليوم ده عيد بالنسبة لنا. قعدنا نسترجع ذكريات السنين اللي فاتت، من أول الشقة القديمة، والـ 800 جنيه، والجاكيت الشتوي، لحد اللحظة دي اللي بقينا فيها في أمان وراحة بال حقيقية.
عرفت وقتها إن الامتحان الشديد اللي ربنا حطه في طريقنا مكنش غير ابتلاء عشان يورينا معدن الناس الحقيقي، ويزرع في قلب بنتي القوة والاعتماد على النفس، ويجب لنا حقنا تالت ومثلث.
قعدت بالليل في البلكونة، شربت كوباية الشاي، وبصيت للسماء الصافية ومليانة نجوم، وأنا كلي رضا وامتنان لكل لحظة تعب عديت بيها، لأنها صنعت الإنسانة القوية اللي أنا عليها دلوقتي، وبنتي اللي بقت تملى الدنيا ضحك وأمان.
الأيام والشهور بقت تمشي وكأنها بتجري بينا لقدام، وكل يوم كان بيحمل لينا رزق جديد وباب أمان بيتفتح. بنتي خلصت تدريبها بتفوق كبير، والشركة الهندسية الكبيرة ثبتتها في شغلها من أول شهر، وبدأت تثبت نفسها بجدارة وذكاء خلّى كل زملائها ورؤسائها يحترموا كفاءتها وأخلاقها.
في يوم، كنت قاعدة في الصالون بظبط ورق الشغل الخاص بيا، ولقيت جرس الباب بيرن. فتحت الباب، ولقيت مندوب توصيل واقف وماسك في إيديه بوكيه ورد أحمر ضخم وجميل، ومعاه كارت صغير أنيق.
بصيت له باستغراب وقلت:
— مين بيبعت ده؟ أنا مفيش أي مناسبة تخصني النهارده!
المبتسم رد وقال:
— ده باسم المهندسة الكبيرة، مدام أميرة وبنتها.. الهدية دي موجهة ليكي يا هانم من إدارة الشركة تقديراً لتفوق مهندسة [اسم بنتك] وجهدها.
قلبي نط من الفرحة، وخدت بوكيه الورد وأنا مش مصدقة عيني. دخلت بنتي من ورانا وهي ضاحكة بصوت عالي وقالت:
— مفاجأة يا ماما! الورد ده أقل حاجة أقدر أقدمها لكِ عشان تشكري تعبك وسنين صبرك وشقاكي عليا. إنتِ بجد أجدع وأعظم أم في الدنيا.
دموع الفرحة نزلت على خدودي، وحضنتها بقوة وأنا بحمد ربنا في سرّي على العوض الجميل. قعدنا الاتنين جنب بعض نضحك، وحسيت إن كل دمعة قهر ذقتها زمان، ربنا عوضني عنها أضعاف مضاعفة من السعادة والفخر.
الحياة بقت ماشية في هدوء وسلام، وريحة الورد في البيت كانت مفكرة دايماً إن بعد الظلام دايماً فيه فجر جديد نير ومضيء.
مرت السنين وكأنها أيام، والحياة فضلت مبتسمة لنا وفتحت لنا أبواب واسعة من الخير والبركة. بنتي بقت واحدة من أشهر المهندسات الشابات في الشركة، ومكانتها بقت عالية جداً بفضل تعبها وأخلاقها وذكائها اللي ورثته عن أبوها الله يرحمه.
في يوم من الأيام، صحيت على صوت الهوا البارد بتاع الشتاء، وبصيت من شط الشباك لقيت الدنيا بتشتري بغزارة، والجو كان جميل ومريح للقلب. دخلت المطبخ أحضر الشاي، وفجأة حسيت بخبطة خفيفة على باب الشقة.
استغربت؛ مين هيدخل في وقت بدري كده وفي الجو ده؟
فتحت الباب، ولقيت قدامي شخص ما كنتش أتخيل أبداً إني أشوفه تاني في حياتي…
كانت “خالتي”، جارتنا القديمة اللي زمان نقلت لي رسالة أختي وهي في مكان الاحتجاز وحالتها صعبة من الحسرة. كانت واقفة وشعرها أبيض كتل، وماسكة شنطة سفر صغيرة قديمة باين عليها التعب والسنوات الطويلة اللي مرت عليها.
بصت لي بعيون مكسورة، ودموعها نزلت بسرعة وقالت بصوت متهدج:
— يا أميرة… أنا عارفة إن ملناش عين نيجي عندك بعد كل اللي حصل، بس… أختك انتهت مدة احتجازها القانوني من أسبوعين، وصحتها منهارة تماماً، ومبقاش معاها مليم واحد، والناس كلهم بعدوا عنها وما حدش قبل يستضيفها أو يبص في وشها… وجاتلي بتعيط وتقولي مشيها لطريق أميرة، يمكن قلبها يحن وتسماحني قبل ما أرحل!




