
الكلمات نزلت عليا كأنها صاعقة. حسيت بغصة شديدة في ضلوعي، وذكريات القسوة، والـ 800 جنيه، واليوم المرير اللي رمت فيه الجاكيت برجلي، كل ده عدى قدام عيني في ثواني معدودة.
سكتُّ لفترة طويلة، وخالتي كانت باصة للأرض وبتعيط بندم كأنها هي اللي عملت الواقعة.
رفعت راسي، وخدت نفس عميق، وقلت بصوت هادئ وثابت تماماً، من غير أي حقد ولا غل:
— يا خالتي، أنا سامحتها من زمان… سامحتها لوجه الله عشان قلبي يرتاح وعشان ربنا يبارك لي في بنتي. بس زي ما قلت لك قبل كده، رجوع الحياة زي الأول والتعامل المستمر مستحيل.
سكتت لحظة، وكملت وأنا بطلع من محفظتي مبلغ كويس من الفلوس ومديته لخالتي:
— خدي الفلوس دي يا خالتي، اديها لها عشان تقدر تاكل وتدبر حالها في الكام يوم الجايين، وقولي لها ربنا يهديه ويبعد عننا الشر… ومش عايزة أشوفها ولا أسمع عنها حاجة تاني.
خالتي خدت الفلوس وهي بتعيط بحرقة وبتبوس إيدي وتقول:
— كثر خيرك يا أميرة… إنتِ أصلك طيب ونظيف، ربنا يعوضك أضعاف ما تمنيتي.
قفلنا الباب بهدوء، ورجعت المطبخ وأنا حاسة بسلام نفسي عميق ملوش مثيل. في اللحظة دي، دخلت بنتي من أوضتها، لابسة كوتش وشيك ومستعدة تروح شغلها، وبصتلي بحب وقالت:
— صباح الخير يا أحلى ماما في الدنيا… كنتِ بتكلمي مين برة؟
ابتسمت لها وحضنتها بقوة، وقلت لها بصوت مليان رضا:
— ده كان الماضي يا حبيبتي… الماضي اللي علمنا إزاي نكون أقوياء، وإزاي نحافظ على كرامتنا. يلا يا قلب ماما، افطري عشان تلحقي شغلك، وربنا يفتحها في وشك دايماً.
قعدنا ناكل مع بعض في دفا وأمان، وحسيت إن كل دمعة نزلت زمان كانت مجرد سطر في قصة طويلة نهايتها العز والنجاح والستر الدائم.




