
العيال فتحوا عنيهم بشغف، وياسين سألني بفضول: “إيه لعبة الحارس الذكي دي يا بابا؟”
قلت له بثقة: “أي حد، حتى لو طنط أماني، يسألكم عن بابا وماما بيعملوا إيه، أو بنأكل إيه، أو بنقول إيه.. الحارس الشاطر بيعمل حاجتين: الأولى إنه بيقول جملة واحدة يحفظها زي الاسمي، والثانية إنه يطلب منها حاجة تخليها هي اللي تتكسف وترجع لورا.”
فضلنا ندرب طول الصبحية. حفظتهم يردوا بإيه، وكيف يستدرجوها هي، ويفهموها إن أسرار البيت خط أحمر بس بطريقة تخليها هي اللي تحت الضغط. والأهم من ده كله، إني جهزت “المفاجأة الكبرى” للظهرية، لأني كنت عارفة يقيناً إن أماني مش هتصبر، وهتيجي عشان تتأكد إن جوزي ينفذ كلامه وإني اتصلت أعتذر لها، أو تيجى تشمت فيا وتستغل غيابه زي كل يوم.
بالفعل، الساعة ما جاتش واحدة الظهر إلا وكانت آلات الجرس بترن بشكل هستيري. أماني وصلت.
فتحت الباب بابتسامة هادية جداً، ابتسامة باردة شلت حركتها للوهلة الأولى. كانت داخلة بوش مشدود وبصّة كبرياء، وفي إيدها الشنطة الكبيرة المليانة شوكولاتة ولعب كالعادة. دخلت وهي بتتلفت وتتأفأف، وقالت بنبرة حادة ومستفزة: “أهلاً.. أخويا قال لي أجي، وأنا جيت عشان خاطره هو بس، مع إنك المفروض كنتي أنتي اللي تتصلي تتأسفي!”
رديت عليها بمنتهى الهدوء وأنا بفرغ لها الطريق: “تنوري يا أماني، البيت بيتك.. أدخلي.”
ارتبكت من رد فعلي البارد. كانت مستنية خناقة، مستنية إني أصرخ أو أمنعها فتروح تشتكي لأخوها وتعمل حكاية جديدة، لكن هدوئي طير برج من عقلك. قعدت على الكنبة في الصالة، ونادت بصوت عالي ومصنع على العيال: “ياسين! مريم! نور! تعالوا لعميمة شوفوا جابتلكم إيه!”
العيال خرجوا من أوضتهم، بس المرة دي ما جريوش عليها بررالة ولهفة زي كل مرة. مشيوا بهدوء وقعدوا قصادها. أنا مشيت وسبتهم، دخلت المطبخ وسبت باب المطبخ موارب بسيط، ووقفت أراقب وأسمع المشهد اللي رتبته بدقة.
أماني طلعت الشوكولاتة الكبيرة اللي وعدتهم بيها إمبارح، وحطتها على الترابيزة وقربت منهم بنبرة وشوشة وخبث: “حبايب عميمة! الشوكولاتة اللذيذة دي واللعبة الجديدة دي للأسد اللي هيقول لي.. بابا وماما عملوا إيه إمبارح لما دخلوا الأوضة وقفلوا الباب؟ وقالوا إيه عليا لما أنا مشيت؟”
هنا بدأ العرض.
ياسين بص للأكل والشوكولاتة، وبعدين بص لعمتو بمنتهى الثبات والهدوء اللي درّبته عليه، وقال بصوت واضح ومسموع: “ماما وبابا قالوا إن اللي بيسأل عن أسرار البيوت المقفولة بيبقى عنده نقص وبيحب يتجسس، وماما قالت إن عيب أوي حد كبير يسأل عيال صغيرة عن أوضة نوم كبار.. وبابا قال إنك مسكينة وبتحبي القيل والقال عشان معندكيش حاجة مفيدة تعمليها في حياتك!”
أماني وجهها اصفرّ واتسعت عينيها بصدمة مرعبة: “إيه؟! بابا قال كده؟! وماما قالت كده؟!”
قبل ما تستوعب الصدمة، كملت مريم التوأم وهي بتبتص لها ببرأة طفولية وتقول: “أيوه يا عمتو، وماما تحفَظنا إمبارح إننا لما تسألينا تاني عن أوضة النوم، نسألك إحنا كمان ونقولك: هو أنتي يا عمتو لما بتدخلي أوضتك بتمسكي التليفون وتتكلمي مع مين بالساعات لحد الفجر وبيزعقلك بسببه جوزك؟”
الكلمة دي نزلت على أماني زي الصاعقة! لونها اتقلب وأيدها بدأت ترتعش، لأن دي نقطة ضعفها وحاجات هي نفسها كانت بتخبيها عن أهلها وجوزها، والعيال قيلوها ببرأة طفولية وكأنها سؤال عادي!
أماني وقفت من طولها والصدمة مشسعة ملامحها، وصصرخت بنبرة متقطعة: “أنتم بتهببوا إيه؟! مين اللي علمكم الكلام القليل الأدب ده؟!”
في اللحظة دي، خرج ياسين الورقة الرابحة اللي كنت مجهزاها. طلعت نور الصغيرة كاميرا تسجيل صوت وفيديو صغيرة جداً (كانت لعبة أطفال إلكترونية بيسجلوا بيها أصواتهم) كانت محطوطة على الرف جنبهم، وياسين قالها بثقة: “وماما قالت لنا كمان إن كل كلمة هتقوليها وتطلبي فيها نعرف أسرار أوضة النوم، الكاميرا دي بتسجلها وصوتك طالع فيها وأنتِ بتددينا رشوة شوكولاتة عشان نتجسس على بابا.. وماما هتبعث الفيديو ده لعمو (جوز أماني) ولتيتة ولجوزها (اللي هو بابا) عشان يشوفوا عميمة وهي بتعلمنا نقل الكلام والسرقة!”
أماني ملامحها اتغيرت تماماً، ودمها اتجمد في عروقها. فكرة إن تسجيل صوت وصورة لها وهي بتطلب من أطفال يشوفوا أسرار غرفة نوم أخوها يوصل لجوزها ولأمها ولأخوها، كانت بالنسبة لها فضيحة تدمرها وتطير الباقي من عقلها!
أنا خرجت في اللحظة دي من المطبخ بمنتهى البرود، ماسكة كاسة العصير في إيدي، وبصيت لها بابتسامة صدمتها أكتر وقُلت لها بنبرة هادية جداً وواثقة: “خير يا أماني؟ مالك واقفة مرعوبة كده ولونك خطف؟ ما العيال بيلعبوا معاكي وبيحكوا اللي يعرفوه.. مش أنتي اللي قلتي إمبارح أنتو بنتسلوا ومعندكمش أسرار حربية؟ أدي العيال بيسلّوكي وبيقولولك على الأسرار اللي في البيت!”
أماني جيت جراي عليا، وكانت هتتجنن، تحاول تاخد تسجيل اللعبة من إيد ياسين، بس ياسين رجع ورايا واستخبى فيا. بصت لي بذهول ورعب وقالت بصوت جاف ومخنوع: “أنتي جنيتي يا منال؟! أنتي بتعلمي ولاد أخويا يتجسسوا عليا ويسجلوا لي؟! أنتي عايزة تخربي بيتي؟!”
رديت عليها وقربت منها خطوة، وحطيت العصير على الطاولة، وبصيت في عينيها مباشرة بنبرة حازمة وحادة كالسيف: “أنا مابخربش بيت حد يا أماني.. أنتي اللي جاية لحد بيتي بشنطة الشوكولاتة عشان تخربي تربية ولادي وتخليهم جواسيس وتفضحي حرمة أوضة نوم أخوكي! التسجيل ده فيه كل كلمة قلتيها إمبارح والنهاردة، والرشوة اللي بتديها لعيال ست سنين وتسع سنين.. ولو رجلِك أتمدت في بيتي تاني بأسلوب التجسس ده، أو فكرتي مجرد تفكير تسألي العيال سؤال واحد عن حياتي وحياة أخوكي، التسجيل ده هيكون عند جوزك وعند طنط (أمك) قبل ما توصلي الشارع!”
أماني كانت بتترعش من كتر الغيظ والخوف، أصلها كانت عارفة كويس إن جوزها لو شاف الفيديو ده وعرف إنها بتستغل الأطفال عشان تفرغ أحقادها وتتجسس على البيوت، مش هيسكت لها، وأمها هتمسح بيها الأرض.
بصت لي بنظرة كره وذهول، وما قدرتش تنطق بكلمة واحدة. أخدت شنطتها وإيدها ترتجف، ولمت حلوياتها وهي مش مصدقة إن “منال الهادية الطيبة” هي اللي خططت وردت الصاع صاعين بذكاء ودمرت أسلحتها كلها في نص ساعة!
جرت على باب الشقة وهي بتلهث، وفتحت الباب وخرجت وهي بتصرخ بصوت مكتوم: “أنتي حية يا منال.. أنتي حية!”
قفلت الباب وراها بهدوء شديد، ولفيت لولادي اللي كانوا بيبصوا لي بفخر، وأخدتهم في حضني. كنت عارفة إن المعركة مع أماني ما انتهتش، لأنها أكيد هتروح تحور القصة لأخوها (جوزي) بطريقة تانية.. بس المرة دي، أنا كنت ماسكة كل الخيوط في إيدي، وجاهزة للمفاجأة الثانية اللي كانت مستنية جوزي أول ما يرجع بالليل!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




