روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 2

بعد ربع ساعة بالضبط، جرس الباب رن بضربات متتالية وقوية. فتح مدحت الباب، ودخل سعيد زي العاصفة، ووراه أماني مستخبية في ظهره، ووشها باين فيه الخوف الممزوج بنظرة الشماتة والتحدي.. كانت فاكرة إن الموقف كبر لدرجة إني هترعب وأعتذر وأبوس إيدها عشان أنهي الموضوع قبل ما يتطور لدم وخناق بين الرجالة.

سعيد دخل الصالة، وبص لي بغضب وقسوة وقال: “أهلاً يا مدحت.. أهلاً يا مدحت هانم. أنا جاي أسمع التسجيل اللي بتهددي بيه مراتي، وجاي أشوف إيه اللي بتقوليه عليا وعلى بيتي، ولا فاكرة إن أماني ملهاش ظهر؟!”

مقالات ذات صلة

مدحت كان لسه هيتكلم، بس أنا رفعت إيدي بهدوء وشاورت له يسكت. قعدت على الكنبة وأشرت لسعيد: “اتفضل اقعد يا أستاذ سعيد.. أنت راجل الفضل والأصول، ومن حقك تدافع عن بيتك وكرامة مرتك.. بس الراجل العاقل بيسمع بأذنيه وبيشوف بعينيه قبل ما يحكم، صح ولا أنا غلطانة؟”

سعيد قعد وهو مشدود ومكشر: “أنا سامع وشايف.. هاتي التسجيل!”

أماني اتوترت فجأة وقالت بصوت مرعوب: “لا يا سعيد! ما تسمعش حاجة! دول مفبركين الكلام ومحفظين العيال يتبلوا عليا!”

بصيت لأماني بابتسامة سخرية واثقة، وقُلت لها: “مفبركين بالصوت والصورة يا أماني؟ الشوكولاتة واللعبة اللي في إيديكي في الفيديو مفبركين برضه؟”

طلعت التليفون، وتأكدت إن الشاشة واضحة، وحطيت التليفون على الطاولة قدام سعيد مباشرة، وضغطت على زر التشغيل.

الصالة كلها سادتها حالة صمت رهيبة.. صوت التسجيل خرج نقي وواضح:

صوت أماني وهي بتوشوش العيال: “اللي هيعرفلي ماما وبابا بيعملوا إيه لما يدخلوا الأوضة ويقفلوا الباب، هديله الشوكولاتة دي كلها لوحده!”

صوت ياسين وهو بيكلمها بكل ثبات: “ماما وبابا قالوا إن اللي بيسأل عن أسرار البيوت المقفولة بيبقى عنده نقص وبيحب يتجسس…”

صوت مريم التوأم وهي بتقول ببرأة: “هو أنتي يا عمتو لما بتدخلي أوضتك بتمسكي التليفون وتتكلمي مع مين بالساعات لحد الفجر وبيزعقلك بسببه جوزك؟”

وصوت أماني وهي بتصرخ وتترعش لما عرفت إن العيال بيسجلوا لها!

سعيد كان مبصص للشاشة ومسمر في مكانه. ملامح الغضب الساطور اللي دخل بيها بدأت تتلاشى، ويحل محلها الذهول والصدمة، وبعدين الكسوف والخزي الشديد! لون وشه اتغير للاحمرار الداكن، وإيده اللي كانت مسكوبة على الكنبة بدأت ترتجف من كثرة الصدمة.

سمع مراته بنفسها وهي بتدفع رشوة لأطفال صغار عشان يتجسسوا على غرفة نوم أخوها! وسمع رد العيال اللي كشف إن مراته هي اللي بتعمل المشاكل في بيته هو كمان وبتتكلم بالفجر في التليفون!

الفيديو خلص.. وساد صمت قاتل في الصالة، محدش كان قادر يتنفس.

أماني كانت واقفة ورا الكنبة، ووشها أصفر زي الليمونة الميتة، وجسمها كله بيرتعش من الرعب.

سعيد نزل راسه في الأرض لفترة طويلة، مش قادر يرفع عينيه في عين مدحت ولا في عينيا. وبعد دقيقة صمت كانت أطول من السنين، رفع راسه وبص لي بنظرة مليانة اعتذار وكسرة، وقال بصوت خافت ومخنوع: “أنا.. أنا آسف يا أم ياسين. حقك عليا.. وحقك على راسي من فوق.”

وقَف سعيد من طوله، وبص لمدحت وقاله بصوت مكسور: “سامحني يا مدحت.. أنا اتخدعت وجيت وأنا مش فاهم حاجة. مراتي كانت بتستغلني عشان تغطي على قلة أدبها وفضايحها.”

وبعدين التفت لأماني، ومسكها من إيدها بقوة وهزها بعنف وقال بصوت مكتوم زي الرعد: “قدامي على الشقة.. حسابك معايا هناك، والنهارده مش هيفوت على خير!”

أماني صرخت ودموعها نزلت من الخوف والفضحت، وحاولت تتكلم أو تتباكى، بس سعيد شدها من إيدها وخرج بيها من باب الشقة، وقفل الباب وراه بحدة هزت العمارة كلها.

وقفت أنا ومدحت في الصالة. مدحت قرب مني، وأخد نفسي عميق، وحط إيده على كتفي وبص لي بعيون مليانة تقدير واحترام واعتذار غير مشروط، وقال: “أنا أسف يا منال.. أسف إني في يوم شكيت فيكي، أو قللت من اللي عملتيه. أنتي مش بس حميتي عقول ولادنا وكرامة بيتنا.. أنتي علمتينا كلنا درس في العقل والذكاء والحكمة.”

ابتسمت له بهدوء، وقُلت له: “البيت ده يا مدحت مقفول بأصوله وحرمته، وطول ما أنا فيه، محدش هيقدر يخترق أسرارنا ولا يخرب تربية ولادنا.”

ومن اليوم ده، انتهت قصة أماني للأبد من حياتنا. سعيد أدّبها وعرفها حدودها كويس، وأمها حماتي قطعت معاها الكلام لفترة طويلة لحد ما اتعدلت، وبقت أماني لما تشوفني في أي مكان بتسلم عليا من بعيد لبعيد بمنتهى الخوف والاحترام.

أما ولادي، فياسين ومريم ونور كبروا وهم عارفين إن البيت صور حمايته الحكمة والعقل، وإن الأسرار خط أحمر. وقدرت بحكمتي وهدوئي أوقف أخت جوزي عند حدها، وأحافظ على بيتي وجوزي وولادي، من غير ما أخسر كرامتي ولا أرفع صوتي برة حدود الأدب.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى