
— تمام. العدل يتطبق على الكل.
لفيت ومشيت ناحية أوضة المكتب.
أحمد عقد حواجبه:
— رايحة فين؟
قلت من غير ما أبص له:
— أنفذ واجبي.
دخلت المكتب.
فتحت الكمبيوتر.
دخلت على الإنترنت وكتبت:
نموذج اتفاق طلاق.
نزلت النموذج.
وابتديت أعدله.
موضوع الممتلكات كان بسيط جدًا.
لأني تقريبًا…
ماكانش عندي حاجة.
قبل الجواز، كل تحويشة عمري تقريبًا حطيتها مع أحمد علشان أساعده يبدأ مشروعه.
وبعد الجواز بطلت شغل.
بقيت من غير دخل.
العربية باسمه.
الشقة باسمه.
كل حاجة باسمه.
كل اللي كنت أملكه فعليًا في البيت ده كان شوية هدوم…
وجوازة مربوطة بمجموعة قوانين متعلقة على باب التلاجة.
وصلت لآخر بند.
وكتبت:
تتنازل الزوجة طواعية عن أي حق في تقسيم الممتلكات.
وتغادر دون المطالبة بأي أصول أو ممتلكات.
ضغطت طباعة.
صوت الطابعة بدأ يقطع الصمت.
ورقة.
وبعدين التانية.
وبعدين التالتة.
مسكت النسخ الثلاثة وهي لسه دافية من الطابعة.
وخرجت للصالة.
أحمد ونوال كانوا لسه قاعدين تقريبًا بنفس الوضع.
أول ما أحمد شاف الورق في إيدي، عقد حواجبه أكتر.
— مريم، إنتِ ناوية تعملي دراما إيه تاني؟
ما رديتش.
مشيت لحد الترابيزة.
وحطيت اتفاق الطلاق قدامه.
3 نسخ.
وبعدين أخدت القلم بتاعه.
فتحت الغطا.
وعند خانة توقيع الزوجة…
كتبت اسمي.
مريم.
إيدي كانت بتترعش بسبب الإرهاق.
لكن كتبت كل حرف ببطء ووضوح.
لما خلصت، حطيت القلم جنب الورق.
وبصيت لأحمد.
— وقّع.
رفع عينه ليا.
قلت:
— قوانين البيت مينفعش تتكسر، صح؟
وبابتسامة خفيفة كملت:
— والعدل لازم يتطبق على الكل.
الصالة غرقت في صمت تقيل.
الصوت الوحيد كان طقطقة خفيفة جاية من الطابعة وهي بتبرد.
أحمد نزل عينه على نسخ اتفاق الطلاق اللي قدامه.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت…
ملامحه اتغيرت.
أ مسكت الورقة الأولى بين صوابعه ورفعها لعيونه، يقرأ البنود بعناية وكأنه بيقرأ عقد صفقات في شغله. عينيه كانت بتتنقل بين السطور ببطء، وشفايفه مشدودة في خط مستقيم.
نوال قامت من على الكنبة، وقربت بفضول وهي بتعدل طرحتها، بصت في الورقة من فوق كتفه، وفجأة ضحكت بصوت عالٍ ومستفز ملأ الصالة:
— طلاق؟! طلاق إيه يا ست مريم؟! إنتِ فاكرة نفسك في مسلسل؟ بتعملي شو علشان خايفة من العقوبة؟
أحمد ما ضحكش. فضّل يبص للورق، وبعدين رفع راسه وبص لي بثبات. ملامحه رجعت لبرودها المعتاد، وسند ضهره على الكنبة وقال بثقة يقين:
— مريم، إنتِ منفعالة وطالعة من المستشفى جسمك ضعيف، فتفكيرك مش متوازن. اللي بتعمليه ده اسمه طيش. فاكرة لما توقعي الورق ده إني هخاف أو هتراجع عن قوانين البيت؟ إنتِ نسيتي موقفك إيه؟
قرب خطوة صغيرة من الترابيزة، وشاور بإصبعه على البنود اللي أنا كتبتها بنفسي:
— إنتِ لسه كاتبة بإيدك إنك متنازلة عن كل حاجة. معندكيش شغل، معندكيش دخل، الشقة باسمي، والعربية باسمي، وتحويشتك القديمة انضمت للمشروع من زمان وبقت أصول مقفولة. لو مشيتي من الباب ده دلوقتي، هتمشي بشنطة هدومك وبس. هتصرفي منين؟ هتنامي فين؟
نوال هزت راسها بتأييد وقالت بشماتة:
— قولي لها يا أحمد! فاكرة إن بيت أهلها المكركب ده هيستقبلها بالورود؟ ولّا فاكرة إنها تقدر تعيش لوحدها في الغلاء ده؟ يومين بالضبط يا مريم، وهتلاقيكي واقفة على الباب ده بتبكي وتترجي أحمد يرجعك، وساعتها مش بس هتدفعي مصروف 6 شهور، ده إحنا هنعيد ترتيب قوانين البيت كلها من أول وجديد!
كنت واقفة ساكتة.
سخونية البرد اللي في جسمي بدأت تهدأ، وبدأ يحل محلها شعور غريب بالخدر. كلامهم اللي كان زمان بيقطع في قلبي وبيخليني أتشبث بأي قشة علشان أرضيهم، بقى يمر على وداني زي صوت دوشة الشارع. ملوش أي تأثير.
بصيت لأحمد في عينيه مباشرة وقالت بصوت هادي جدًا:
— وقّع يا أحمد. مش إنت بتحب المبادئ والقوانين؟ أنا زهدت في كل حاجة تبعك. وقّع وسيبني أمشي.
أحمد بصل لي بدقة، وكأنه بيحاول يكتشف اللعبة أو اللحظة اللي هانهار فيها. فلما ملاقاش في وشي أي أثر للدموع، وشه اتغير. تحداه غروره.
مسك القلم المذهب بتاعه، فتح الغطا بضغطة حادة، ومضى حسابه على الثلاث نسخ بحركات سريعة ومستفزة.
سحب نسخة منهم وحطها في جيبه، ورما النسختين التانيين على الترابيزة وقال بسخرية:
— تمام. إنتِ اللي اخترتي. قدامك عشر دقايق تلمي فيها هدومك الشخصية وتطلعي بره بيتي. والقوانين بتقول إن اللي يخرج من الخدمة أو البيت، ملوش حق يرجع يطالب بأي حاجة سابها وراه.
ما رديتش عليه كلمة واحدة.
مشيت بثبات غير عادي ناحية أوضة النوم.
فتحت الدولاب، سحبت شنطة سفر متوسطة. ما أخدتش مجوهرات، ما أخدتش الهدايا اللي كان جابها لي في المناسبات، ولا حتى الهدوم الغالية اللي اشتراها لي من فلوسه. أخدت بس هدومي اللي جيت بيها زمان، وشوية لَبَس بسيط كنت شرياه من مصروفي الخاص القديم، وشهاداتي الجامعية، وورقة التبرع بالدم.
قفلت الشنطة، وسحبتها ورايا.



