روايات وقصص

حكايات رشا خالد 1

لما خرجت الصالة، نوال كانت واقفة ومربعة إيديها وبتبص لي بتشفي، وأحمد كان واقف جنب الباب، فاتحه على آخره وهو حاطط إيده في جيبه ويشاور لي بالخروج وكأنه بيطرد ضيف ثقيل.

مرت من جنبهم من غير ما أبص لوشوشهم.

أول ما رجلي خطت بره العتبة، سمعت صوت الباب بيترزع ورايا بقوة هزت السلم، وصوت الكالون وهو بيتقفل بالمفتاح مرتين.

وقفت في طرقة العمارة.

الهوا البارد خبط في وشي. مسكت مقبض الشنطة جامد، وابتديت أنزل السلم خطوة بخطوة.

ماكنش معايا في شنطة ايدي غير حوالي 400 جنيه، وموبايل شحنه 15%.

خرجت للشارع. كانت الساعة قربت من تسعة بالليل. الشارع كان زحمة وأضواء المحلات منورة، والناس بتتحرك بحرية. حطيت إيدي على دراعي، مكان الإبرة كان لسه بيمربض بوجع خفيف تحت القطنة.

ركبت عربية أوجرت ونزلت عند بيت صاحبتي الوحيدة “نهى”.

نهى أول ما فتحت الباب وشافت وشي الأصفر، والشنطة في إيدي، ومكان الإبرة الملفوف باللزق، صرخت بصوت واطي وأخدتني في حضنها.

— مريم! إيه اللي جرى لك؟! إنتِ عاملة كده ليه؟!

دخلتني، وقعدتني على الكنبة، وجابت لي كباية عصير برتقال دافية وسندوتش.

حكيت لها كل حاجة. من أول لحظة التبرع بكيسين الدم في المستشفى، لحد الورقة اللي اتطارت في وشي، وكلام أحمد ونوال، لحد ما وقعت ورق الطلاق وخرجت.

نهى كانت بتسمع وهي بتغلي. صوابعها كانت بتترعش من الغضب وهي ماسكة كباية المية:

— عديمي الإنسانية! البنت كانت هتموت، وإنتِ اللي أنقذتي حياتها بدمك! وبدل ما يشيلوكي على راسهم، يعملوا فيكي كده علشان ساعة تأخير؟! علشان عشا؟!

مسكت إيدها وقلت هادية:

— الحمد لله يا نهى. أنا حسيت إن ربنا كان بيبعت لي إشارة حاسمة. لو ماكنتش الموقف ده حصل، كنت هفضل عايشة في السجن ده عمري كله وأنا فاكرة إن ده طبيعي.

في الليلة دي، نمت نوم عميق لأول مرة من 3 سنين. نوم من غير قلق من “بند قوانين البيت”، من غير خوف من خصم المصروف، ومن غير إحساس دائم بإني مقصرة ومتهدمة الذات.

تاني يوم الصبح، صحيت وعندي هدف واحد: أرجع أقف على رجلي.

أول خطوة عملتها، نزلت شحنت الموبايل، وعملت إعلان على الإنترنت لإعطاء دروس تقوية في اللغة الإنجليزية للمراحل الابتدائية والإعدادية، ودي كانت مجالي وشغفي قبل ما أحمد يقنعني أقعد في البيت.

نهى ساعدتني ونزلت معايا، وأجرت لي أوضة صغيرة وحمام في شقة مشتركة مع طالبات مغتربات بقيمة بسيطة، ودفعت لي إيجار أول شهر كأمانة بيننا.

بدأت أشتغل.

أول أسبوعين كانوا صعبين جدًا. كنت بتمشى لمسافات طويلة علشان أوفر حق المواصلات. باكل وجبات بسيطة. بس كل جنيه كنت بمسكه في إيدي كان بيحسسني بكرامتي.

خلال شهر واحد، زاد عدد الطلاب عندي. بفضل أسلوبي والشرح الصبور، أهالي الطلاب بدأوا يرشحوني لبعضهم.

بعد شهرين، قضايا الطلاق والمستندات الرسمية كانت مشيت في مجراها القانوني الهادئ عن طريق محامي متطوع من معارف نهى، وبقت الورقة الرسمية للطلاق في إيدي.

حياتي اتغيرت تمامًا.

وشي رجع له دمه. صحتي تحسنت. بقيت بأكل كويس، وبروح الجيم الصغير اللي جنب السكن، وبقى عندي دخل ثابت بيكفيني بيتي وأكلي، وبدأت أشيل منه جزء للزمن.

نسيت أحمد تمامًا. نسيت قوانينه، ونسيت النصف مليون جنيه اللي كانوا حقي في مشروعه واعتبرتهم كفارة عن السنوات اللي ضاعوا من عمري معاه.

لكن في بيت أحمد… الأحداث كانت ماشية في اتجاه تاني خالص.

بعد ما مشيت، نوال مسكت البيت.

في الأول، كانوا فاكرين إنهم انتصروا. نوال كانت فرحانة إنها اتخلصت مني، وأحمد كان فاكر إنه ضرب مثال في “العدالة والتطبيق الصارم للقوانين”.

بس الواقع بدأ يفرض نفسه من ثاني يوم.

نوال ست كبيرة ومريضة بالضغط، وما بتقدرش تقف في المطبخ أكتر من نص ساعة.

الأكل بقى بييجي من الشارع. المصاريف اللي أحمد كان فاكر إنه بيوفرها، بقت بتتدفع ضعفين وثلاثة للمطاعم والدليفري والنظافة الخارجية.

البيت اللي كان دايماً معطر، متستف، وهادي، بقى مكركب ومعجون بالدوشة.

أحمد بقى يرجع من شغله تعبان، يلاقي أمه بتشتكي وتصرخ من التعب، مفيش لقمة نظيفة، ومفيش حد يسمعه أو يرتب له هدوم شغل بكرة.

بس ده كله كان كوم… وصحة سلمى كانت كوم تاني.

سلمى أخت أحمد، بعد الحادثة الأولى وتبرعي لها، خرجت من المستشفى بعد أسبوعين.

جسمها كان ضعيف جدًا، والدكاترة شددوا على إنها محتاجة راحة تامة وعناية غذائية خاصة جداً، ومتابعة دورية لتحاليل الدم لأن النزيف اللي حصل لها أثر على وظائف النخاع الشوكي مؤقتًا.

نوال ماكانتش بتهتم بالتفاصيل الطبية. كانت بتعمل لها أكل عادي، وتهمل في مواعيد الأدوية.

وفوق ده كله، كبرياء أحمد ونوال خلوهم يخبوا على سلمى الحقيقة.

لما سلمى فاقت وسألت: “هي فين مريم؟ أنا فاكرة إن الدكتور قال لي إنها هي اللي اتبرعت لي بالدم وأنقذتني؟”

نوال ردت ببرود: “مريم سابت البيت ومشيت يا حبيبتي. سابتنا في ظروفنا الصعبة علشان طمعانة في فلوس أخوكي ورفضت تحترم قوانين البيت.”

سلمى ما صدقتش، بس كانت أضعف من إنها تجادل.

مرت الـ 3 شهور.

في ليلة من ليالي الشتاء الشديدة البرودة…

سلمى كانت قاعدة في أوضتها بتذاكر، وفجأة حست بدوخة شديدة.

حاولت تقف تروح لأمها، لكن رجليها خانتها ووقعت على الأرض، ودماغها خبطت في حرف الكومودينو.

نزفت من مناخيرها ومن جرح رأسها بنزيف حاد ومستمر ما بيقفش.

نوال دخلت الأوضة تتفقدها، شافتها واقعة في غرق دمها ووشها أبيض كأنه لوح ثلج.

صرخت نوال بعلو صوتها. أحمد جرى من أوضته، شال أخته وهو بيموت من الخوف، ونزل بيها على المستشفى الاستثماري الكبير اللي جنبهم.

في المستشفى، الأطباء أخدوا سلمى فورًا على غرفة الطوارئ والحالات الحرجة.

ساعتين كاملين، وأحمد ونوال واقفين في المطر والبرد قدام باب الطوارئ.

نوال كانت بتبكي وتلطم على وشها، وأحمد رايح جاي في الطرقة، يفرك إيديه في بعضها والتوتر بيأكله.

أخيرًا، خرج الاستشاري المسؤول. وشه كان جاد جدًا ومقلق.

أحمد جرى عليه:

— دكتور! أختي سلمى عاملة إيه؟! طمئني أرجوك!

الدكتور قلع النظارة وبص لأحمد بنظرة شديدة اللهجة:

— المريضة عندها انهيار حاد في الصفائح الدموية ونسبة الهيموجلوبين نزل لمستوى خطير جدًا بسبب نزيف داخلي غير مكتشف من وقت الحادثة القديمة، وده أدى لعدم قدرة الجسم على تجلط الدم.

نوال صرخت:

— يعني إيه يا دكتور؟! بنتي بتموت؟!

الدكتور كمل بصرامة:

— المريضة محتاجة نقل بلازما ودم طازج فورًا خلال الساعتين الجايين، وإلا هتدخل في صدمة وعائية وتوقف في عضلة القلب.

أحمد قال بسرعة وهو بيطلع محفظته:

— بنك الدم في المستشفى! اشتروا أي كمية! أنا مستعد أدفع أي مبلغ! مليارات لو طلبتم!

الدكتور هز راسه بأسف وقال:

— الموضوع مش موضوع فلوس يا أستاذ أحمد. أختك فصيلتها من أندر الفصائل في العالم (Bombay Blood group / أو فصيلة نادرة سلبية للغاية). بنك الدم المركزي عندنا وعند كل المستشفيات المجاورة فاضي تمامًا من الفصيلة دي حاليًا، وطلبنا شحنة من العاصمة ومحتاجة على الأقل 12 ساعة عشان توصل. وأختك معندهاش أكتر من ساعتين.

أحمد وشه اتخطف، ورجليه لم تعد تحمله:

— يعني إيه؟! مفيش أي حل؟!

الدكتور بص في الملف الطبي القديم لـ سلمى اللي كان مفتوح في إيده، وبص لأحمد وقال جملة نزلت كالصاعقة:

— في الملف الطبي القديم للحالة من 3 شهور، فيه متبرعة واحدة بس مسجلة هنا، بنفس الفصيلة النادرة، ودمها استجابت ليه المريضة بشكل ممتاز وكان سبب إنقاذها.

المتبرعة اسمها: مريم…

لو المتبرعة دي مش موجودة وتتبرع فورًا بدمها دلوقتي… أختك مش هتكمل لصبح.

كلمات الدكتور كانت بتلف في دماغ أحمد زي الإعصار.

“مريم… المتبرعة الوحيدة… أختك مش هتكمل للصبح.”

الدكتور سابهم ودخل غرفة العناية المشددة.

نوال وقعت على الأرض في الطرقة، وهي بتصرخ وتضرب صدرها:

— مريم! كلم مريم يا أحمد! اتصل بيها يا ابني! أبوس إيدك كلمها خليها تيجي تنقذ أختك! أختك بتموت يا أحمد!

أحمد كان واقف مبهوت.

صوابعه كانت بتترعش وهو بيسحب الموبايل من جيبه.

فتح قائمة الأسماء.

اسم “مريم” كان لسه موجود، بس الملاحظة اللي كان حاططها جنب اسمها زمان “تم إنهاء العلاقة” كانت بتلمع قدام عينيه كأنها بتسخر منه.

داس على زر الاتصال.

الموبايل بدأ يرن…

رنة…

تانية…

تالتة…

“عفوًا، الهاتفي الذي طلبته قد يكون مغلقًا أو غير متاح حاليًا.”

أحمد حس بربكة ورعب ما جربهمش في حياته كلها.

افتكر كلامه ليها يوم ما مشيت: “يومين وهترجعي لوحدك لما تعرفي إنك من غيري ملكيش حاجة.”

وافتكر الورقة اللي رماها في وشها، ومصروف الـ 6 شهور، والتأخير بتاع العشا.

وافتكر إن هي اللي سحبت من دمها كيسين علشان تنقذ نفس الروح اللي بتموت دلوقتي قدامه!

داس اتصال تاني.

وتالت.

ورابع.

عشر مرات… عشرين مرة… خمسين مرة!

أحمد بقى يجري في طرقة المستشفى كالمجنون، يضغط على زرار الاتصال ويكنسل ويرجع يتصل تاني.

نوال وراه على الأرض بتبكي وتدعي: “يارب ترد! يارب سامحينا يا مريم وتعالي!”

الموبايل كان بيدي غير متاح لأن مريم كانت في الشقة والشبكة ضعيفة في أوضتها.

أحمد ما يئسش.

فضل يضغط ويطلب الرقم بدون توقف.

مرت ساعة كاملة… والوقت بيمر كأنه سيف على رقبة أخته.

وصل عدد المحاولات لـ 100… 120… 150… 170 مرة!

وفي المحاولة رقم 175…

الساعة كانت أربعة الصبح.

الرنة كملت للآخر… وفجأة… الخط فتح.

صوت هادي، متزن، وبعيد، جه من الناحية التانية:

— ألو؟

أحمد من كتر الصدمة والذهول، صوته خرج مخنوق ومش طالع، دموعه نزلت لأول مرة في حياته، وبصوت بيترعش ويتقطع من البكاء قال:

— مريم؟ مريم أرجوكي… أرجوكي ما تقفليش الخط! أرجوكي اسمعيني!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى