
بس قدام أحمد كان فيه كباية شاي سخنة.
الجو كله كان غريب.
بارد.
كأنهم مش مستنيين واحدة راجعة من المستشفى بعد ما أنقذت بنتهم وأختهم.
كأنهم مستنيين متهمة راجعة من التحقيق.
قلعت الجزمة وقلت بصوت مرهق:
— أنا رجعت… ماما، أحمد، بالنسبة للعشا أنا…
ما لحقتش أكمل.
ورقة طارت في الهوا.
وخبطتني في وشي.
طرفها حك خدي ووجعني.
من المفاجأة والتعب، جسمي اتهز واضطريت أمسك جزامة المدخل علشان ما أقعش.
الورقة نزلت عند رجلي.
بصيت لها.
كانت ورقة مطبوعة.
إخطار بعقوبة منزلية.
انحنيت بالعافية ورفعتها.
وكان مكتوب فيها:
سبب المخالفة: عدم الالتزام بموعد إعداد وجبة العشاء، مما أدى إلى عدم تمكن أفراد الأسرة من تناول الطعام في الموعد المحدد.
العقوبة: إيقاف المصروف الشخصي ومصروف المعيشة للشهر الحالي والستة أشهر التالية.
وفي آخر الورقة…
توقيع رب الأسرة:
أحمد.
فضلت باصة للورقة.
صوابعي كانت بترتعش.
رفعت عيني وبصيت لهم.
— ليه؟
نوال بصت بسخرية واتسندت على الكنبة وهي بتضم دراعاتها.
— ليه؟! ولسه عندك عين تسألي؟ بصي في الساعة يا ست مريم! الساعة سبعة ونص! البند السابع من قوانين البيت بيقول إيه؟ نسيتي؟
لا.
مانسيتش.
إزاي أنسى؟
قوانين بيت عيلة أحمد.
قوانين كتبها أحمد بنفسه، وطبعها بشكل رسمي، وحط نسخة منها على التلاجة.
البند السابع: أفراد الأسرة يتناوبون على مسؤولية إعداد العشاء، وعلى الشخص المسؤول في ذلك اليوم الانتهاء من تجهيز الوجبة قبل السادسة والنصف مساءً.
التأخير لأكثر من نصف ساعة يؤدي إلى خصم مصروف الشهر.
أنا كنت ست بيت.
معنديش شغل.
ومعنديش دخل مستقل.
كل أول شهر، أحمد كان بيحول حوالي 10 آلاف جنيه تقريبًا.
ومن الفلوس دي كنت بجيب احتياجات البيت اليومية، ومستلزماتي الشخصية، وحاجات كتير تخص الأسرة.
بصيت لنوال وقلت:
— النهارده مش يوم عادي. سلمى عملت حادثة وكانت محتاجة دم فورًا.
رفعت صوتها:
— وإيه يعني؟!
اتصدمت.
كملت:
— كل واحد عنده ظروف! يعني علشان عندك ظرف إحنا نقعد جعانين؟ القواعد قواعد! أحمد… قول لها!
بصيت لجوزي.
الراجل اللي حبيته خمس سنين.
واللي بقالي 3 سنين متجوزاه.
كان قاعد في نص الكنبة، ضهره مفرود، ولسه لابس القميص الأبيض بتاع الشغل.
بص لي بهدوء غريب.
مش نظرة جوز لمراته.
نظرة مدير لموظفة ارتكبت مخالفة.
قال:
— مريم، ماما عندها حق.
فضلت باصة له.
فكمل:
— معنى إن يبقى عندنا قوانين للبيت هو إن القوانين دي تتطبق مهما كانت الظروف. غير كده النظام كله هينهار.
وسكت لحظة، ومد إيده لكوباية الشاي.
شرب رشفة وقال:
— لو استثنيناك النهارده، بكرة هنستثني حد تاني. وبعده حد تالت. وساعتها القوانين ملهاش أي قيمة.
حاولت أستوعب اللي بسمعه.
لكنه كمل:
— وبعدين إنتِ روحتي تتبرعي بالدم وإحنا ما منعناكيش.
أنا ما منعناكيش؟
قالها كأنه عامل لي معروف.
— ده كان اختيارك الشخصي. بس اختياراتك الشخصية مينفعش تأثر على واجباتك ناحية البيت. كل موضوع منفصل عن التاني.
وبعدين قال الجملة اللي فضلت محفورة في دماغي:
— العدل لازم يتطبق على الكل. ده المبدأ الأساسي في بيتنا.
في اللحظة دي، حسيت إن قلبي بينزل ببطء لجوا حفرة تلج.
مكان الإبرة في دراعي وجعني.
أو يمكن ماكانش وجع.
كان برد.
برد بدأ من نقطة صغيرة في دراعي وانتشر في جسمي كله.
بصيت لأحمد.
وشه وسيم.
ملامحه هادية.
منظمة.
عقلانية.
كل حاجة فيه كانت بتقول إنه شايف نفسه عادل.
لكني ما شفتش في عينيه ذرة خوف عليا.
أنا لسه متبرعة بـكيسين دم و مهبطة.
راسي بتلف.
رجلي بالعافية شايلاني.
وهو شايف ده كله.
لكن مش مهم.
المهم عنده قوانينه.
نظامه.
وترتيبه.
و”المبدأ الأساسي” بتاعه.
فجأة حسيت إن الموقف مضحك.
مضحك بشكل بشع.
أنا تبرعت بدمي علشان أنقذ أخته.
وكنت على وشك أغمى عليا في المستشفى.
وهو قرر يعاقبني بمصروف 6 شهور…
علشان ما عملتش العشا الساعة ستة ونص.
سيبت الورقة تنزل شوية من بين صوابعي.
كانت اتكرمشت من شدة مسكتي ليها.
قلت:
— تمام.
أحمد ونوال بصوا لبعض باستغراب.
واضح إنهم كانوا مستنيين حاجة تانية.
يمكن مستنييني أعيط.
أزعق.
أترجاهم.
أشرح لهم.
زي كل مرة قبل كده كانوا بيستخدموا “قوانين البيت” علشان يضغطوا عليا.
لكن المرة دي…
ما عملتش أي حاجة.
هزيت راسي وقلت:




