عام

زوجي مسافر حكايات رومانى مكرم 2

مشيت في الشارع وخطواتي كانت أتقل من الشنط اللي بسحبها ورايا. صوت عجل الشنطة وهو بيخبط في الرصيف الإسفلتي كان هو الصوت الوحيد اللي بيشق سكون الشارع الفاضي. البرد كان بيلسع وشي، بس النار اللي جوايا كانت كفيلة تدفي بلد كاملة.

وصلت للوجو المنور بتاع الفندق الصغير اللي شفته من بعيد. كان فندق بسيط نجمتين، مدخله هادي. دخلت وأنا حاسة إن كل عيون اللي في الرسبشن متسلطة عليا.. ست مجرورة بشنطها في نص الليل، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد السهر والوجع.

قربت من الموظف اللي كان قاعد ورا المكتب، حطيت الباسبور قدامه وبصوت هادي ومستقر بالحرص:

* “عايزة أوضة ليلة واحدة من فضلك.”

الموظف بصل بفضول، بس احترافية الشغل خلاته يسجل البيانات بسرعة. استلمت المفتاح، طلعت الأوضة، وأول ما دخلت وققلت الباب ورايا بالمفتاح.. انهرت.

سندت ضهري على الباب واتزحلقت لحد ما قعدت على الأرض. ضميت ركبتي لصدري، والدموع اللي كنت حابساني ومقوية نفسي بيها قدام إبراهيم ونيفين نزلت زي السيل. بكيت على سنتين من عمري اتسرقوا في الوهم.. بكيت على الكعوب اللي اتطحنت في المجمعات والقنصلية.. على الفرحة اللي كانت مالية قلبي إمبارح وأنا بلم الهدوم.. على قيد العيلة وشهادة الميلاد الموثقة اللي كانت مكتوب فيها إني زوجة لراجل بيتقاسم مع غيري من ورا ضهري.

فضل العياط يخنقني لحد ما حسيت إن صدري اتفرغ تماماً من أي طاقة. مسحت وشي، وقفت بصيت لنفسي في مراية الدولاب.. عيني كانت حمرا، بس كان فيها لمعة جديدة. لمعة الست اللي أدركت إن البكاء مش هيسترد حقها، وإن اللي اتكسر إمبارح مش هينفع يترقع، بس ينفع يتدفن وتتبنى مكانه حقيقة تانية خالص.

فتحت التليفون.. أول ما الشبكة جمعت، التليفون اترمى بسيل من الرسائل والإشعارات. 35 مكالمة مفقودة من إبراهيم، و12 رسالة منه:

“سمر ارجعي الشقة عشان خاطري!”

“أنا  نيفين من الشقة بره، تعالي نتفاهم!”

“أنتِ فين؟ أنا قالب عليكِ الشوارع وممكن أبلغ الشرطة!”

“ما تضيعيش بيتنا يا سمر!”

ابتسمت بسخرية ومرارة.. “ما تضيعيش بيتنا!”.. هو هو اللي ضيعه وهدمه بيده، وجاي دلوقتي يتهم الضحية إنها بتضيع البيت!

الرسالة اللي استوقفتني كانت من رقم غريب.. فتحتها لقيتها من نيفين!

“برافو عليكِ عملتي شو حلو وخرجتي في دور الضحية.. بس حابة أقولك إن إبراهيم معايا دلوقتي في شقتي الثانية، وبيترجاني ما أزعلش! افهمي حجمك يا سمر، أنتِ مجرد مرحلة وانتهت في حياته.”

مسكت التليفون وإيدي ثابتة.. ما اتنرفزتش، ما اتعصبوش. نيفين كانت فاكرة إن الرسالة دي هتقهرني أو ترجعني أصرخ وأترجاهم، لكنها بقلة عقلها إديتني أكبر سلاح: إثبات ثاني على خيانتهم واستمرارهم، مع اعتراف ضمني بوجودها. أخدت “سكرين شوت” للرسالة، وحفظتها في ملف خاص على التليفون مع التسجيلات والرسائل القديمة.

قفلت التليفون، وقعدت على السرير وطلعت الدوسيه الأزرق.. أوراق السفر، عقد الزوجية المصري، كشف الحساب البنكي الصغير اللي كنت حوشت فيه جزء من فلوسي قبل ما أسافر، وأوراق إقامتي اللي استلمتها في المطار.

قعدت أخطط.. أنا في بلد غريبة، صحيح، بس مش عاجزة. معايا إقامة رسمية قانونية بصفتي زوجة، ومعايا حق شرعي وقانوني في مصر وهنا. إبراهيم فاكر إني هضعف وأرجع مصر مكسورة الخاطر والناس تأكل وشي بتقاويل “سافرت لجوزها وطلقها في أسبوع”. لا.. أنا مش هرجع مكسورة، أنا هرجع وأنا واخدة حقي منه تالت ومتالت!

ثاني يوم الصبح..

صحيت الساعة تمانية، استحميت بمية باردة تقوي جسمي، لبست هدومي، ولميت الشنط وحطيتها في أمانات الفندق. خرجت على العنوان اللي كنت بحثت عنه بالليل على النت: مكتب محاماة مصري-عربي معتمد في العاصمة بره.

دخلت المكتب، قابلت المحامي.. راجل خمسيني ملامحه جادة وواثقة اسمه الأستاذ طارق. قعدت قدامه، وشرحت له القصة بالكامل من أول المكالمة التي لم تُغلق، لحد الشال الأحمر ورسالة نيفين اللي على التليفون.

الأستاذ طارق سمعني بهدوء، وكان بيكتب ملاحظات في أجندته. لما خلصت، حط القلم على الترابيزة وبص لي:

* “يا مدام سمر.. موقفك القانوني هنا قوي جداً، وأقوى بكتير مما تتخيلي.”

* “إزاي يا متر؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى