روايات وقصص

حكايات زهره الربيع

طردوني برة المستشفى، ورموني على الرصيف في الشارع قدام الناس كلها.

قعدت على الرصيف، الشارع فاضي، والليل بدأ يليل، وأنا معيش ولا مليم، ولا بيت أروحه، ولا أهل يسألوا عني، ولا جوز يسترني، ولا طفل أضمه في صدري… خصرت كل حاجة في لحظة غباء وأنانية!

كنت قاعدة على الأرض بضحك وأبكي زي المجنونة… بقيت أقول لنفسي: “أهو أنتِ بقيتي حرّة يا ندى… أهو مفيش راجل يربيكي ولا يضايقك بوقاره… مبسوطة دلوقتي؟!”

وفجأة وأنا قاعدة في الضلمة والبرد بياكل في عظمي، لقيت عربية سوداء وقفت قدامي على الرصيف، ونزل منها شخص ما كنتش أتوقع أبداً إنه يظهر في الوقت ده…

العربية السوداء اللي وقفت قدامي في الضلمة، نزل منها شخص وشه مكشر وملامحه جادة جداً… كان شقيق محمود الكبير، (أحمد)، الراجل اللي العيلة كلها بتعمله ألف حساب وكلمته سيف على الكل.

أنا أول ما شفته، أترعشت وافتكرت إنه جاي يكمل عليا أو ، لكنه قرب مني بخطوات ثقيلة، وقف فوق رأسي وأنا قاعدة على الرصيف زي الشحاتين، وبصلي بنظرة كلها قرف وأسف في نفس الوقت.

طلع من جيبه شنطة بلاستيك صغيرة ورماها في . بصيت جوة الشنطة بذهول… لقيت فيها هدومي الأساسية، وشنطة إيدي اللي كان فيها بطاقتي وفلوس بسيطة، وورقة مطوية!

أحمد بصلي بصوت جاف زي الحطب وقال: “دي حاجتك… ومحمود بعتلك الفلوس دي عشان تعرفي تسافري أو تقعدي في أي مكان لحد ما تدبري حالك. محمود ما رضيش يسيبك في الشارع كدة رغم كل اللي عملتيه، عشان أصل الراجل بيفرق في المواقف دي عن أصل الحرمة.”

مسكت الفلوس والشنطة وبكيت بحرقة، وقولتله ونبرة صوتي رايحة: “أحمد… أرجوك، خليني أشوف ابني بس دقيقة واحدة! أوعدك مش هربيه ولا هاخده، بس أضمه في صدري وأمشي!”

أحمد انحنى عليا وبص في عيني بحدة وقسوة وقال: “ابنك؟ أنتِ نسيتي إنك كنتِ هتضيعي مستقبل الابن ده عشان شوية خيبة وتفاهة؟! ابنك محمود سلمه لأبوكي وأخوكي يربوه معاهم، وهو ينسى إن كان ليه أم اسمها ندى. أسبوع بالكتير وورقة طلاقك هتجيلك لحد عندك، والمؤخر بتاعك وحقوقك كاملة هتوصلك في حسابك… محمود مش عايز منك أي حاجة، ولا عايز يشوف خيالك تاني.”

أحمد لف وشو وركب عربيته ومشى، وسابني واقفة في الشارع لوحدي، الصمت حواليا زي المقابر.

فتحت الورقة المطوية اللي كانت جوة الشنطة ب إيدين بتترعش… كانت ورقة مكتوبة بخط محمود، خطه المحترم الراقِ اللي كنت بشوفه دايماً في رسائله لي. الورقة كان مكتوب فيها جملتين بس، لكنهم نزلوا عليا زي الموت البطء:

> “يا ندى… الستر والهدوء مكانوش سجن، دول كانوا نعمة أنتِ ما عرفتيش قيمتها إلا لما ضاعت. أنا سامحتك قدام ربنا عشان خاطر ابني، بس عمري ما هنسى إن الراجل اللي استأمنك على بيته وعرضه، ردتيله الأمانة بالغدر. اعيشي حرّة زي ما كنتِ عايزه… بس افتكري دايماً إن الشغف اللي كنتِ بتدوري عليه، كلفك ابنك، وبيتك، وأهلك، وكرامتك.”

>

مسكت الورقة وحطيتها على صدري، وقعدت على الرصيف أصرخ وأبكي بصوت مكتوم.

مرت الأيام والشهور، والوقت كان بيمر عليا زي السجين اللي محكوم عليه بالإعدام التأجيل. أأجرت أوضة صغيرة في منطقة بعيدة، واشتغلت في حضانة أطفال بسيطة عشان أقدر أأكل نفسي.

كل يوم كنت بشوف الأطفال في الحضانة، قلبي كان بيتقطع على ابني. كنت بفتكر ريحته، ضحكته، إيده الصغيرة وهي بتلمس وشي. بقيت عايشة زي الجثة اللي بتتحرك… مفيش طعم لأي حاجة في الدنيا.

حاولت أكلم أبويا أو أخويا مئات المرات… لكن الخط دايماً مقفول، أو يردوا عليا بشتائم وقسوة ويقفلوا السكة في وشي. صاحبتي “سارة” اتحكم عليها في قضايا تانية قدام أهلها والناس كلها، وعرفت إن الحرية المزيفة والجرأة اللي كانت بتباهى بيها أخدتها لطريق الضياع.

وفي يوم من الأيام، بعد مرور سنتين كاملين…

كنت ماشية في الشارع بالصدفة جنب النادي القريب من منطقتي القديمة. وقفت ورا السور الإبراهيمي بتاع النادي وبصيت من بين الحديد… عينيا وقعت على مشهد خلاني أقف في مكاني ودموعي تنزل صامتة.

محمود كان قاعد على ترابيزة في الجاردن… شكله بقى أصغر وأحلى، وشه فيه نضارة ووقار، وحواليه أهله بيضحكوا. وجنبه… كانت قاعدة ست تانية، باين عليها الرقة والهدوء، ماسكة إيد ابني الصغير اللي بقى عنده دلوقتي أكتر من 3 سنين ونص!

ابني كان بيضحك من قلبه، وبيلعب في ، ومحمود بيصلهم بابتسامة دافية مليانة حنية وراحة بال… نفس الراحة اللي أنا حرمته منها بسفاهتي وأنانية عقلي.

الطفل بص ناحية السور لحظة… بصلي بأعين بريئة، لكنه ما عرفنيش. لف وشو تاني ورجع يلعب مع الست دي ويناديها بابتسامة.

في اللحظة دي بالذات، عرفت الحقيقة الكاملة الكبيرة اللي كانت غايبة عني:

أنا ما خسرتش جوزي بس… أنا خسرت نفسي، وعيلتي، وابني، ومستقبلي.

المشكلة مكانتش في محمود، ولا في وقاره، ولا في جديته… المشكلة كانت فيا أنا. كنت فاكرة إن الحب والزواج هو رقص وهيصة وشغف مجنون زي اللي بنشوفه في المسلسلات، وما فهمتش إن الحب الحقيقي هو الأمان، والستر، والراجل اللي يتقي ربنا فيكي ويصونك في غيابك وحضورك.

مشيت من جنب سور النادي وأنا بجر خطايا ، ودموعي بتغرق وشي. أخدت حريتي الشكليّة اللي كنت بتموت عليها… بس عشت باقي عمري سجينة في سجن الندم، سجن ملوش أبواب، ولا ليه خروج للأبد!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى