
أبويا مسك صدره وبكى بحرقة وصوت عالي، وبقى على ركبه ويقول: “يا حبيبي يا ابني… يا أصيل يا ابن الأصول! بقى الراجل يستر عليكي بعد كل اللي عملتيه فيه يا فاجرة؟!”
وكيل النيابة بصلي بنظرة اشمئزاز وقال: “بناءً على تنازل المجني عليه وعدم وجود شبهة جنائية تعمدية في الإصابة، أمرنا بإخلاء سبيل المتهمة ندى بكفالة مالية قدرها ألف جنيه، مع استمرار التحقيق مع المتهمة الثانية سارة في بلاغات أخرى.”
-
اتجوز حكايات امانى السيد 2منذ 3 ساعات
-
اتجوز حكايات امانى السيد 1منذ 3 ساعات
-
حكايات امانى السيد 2منذ 3 ساعات
-
حكايات امانى السيد 1منذ 3 ساعات
العسكري فك الكلبش من إيدي. الحديد اتفك، بس قلبي هو اللي اتكلبش للأبد بأغلال الندم والحسرة. طلعت من مكتب وكيل النيابة وأنا مش شايلة رجلي. جيرت ورا أبويا في ممر النيابة وأنا ببكي وبقوله: “بابا… أرجوك اسمعني يا بابا، أنا آسفة والله العظيم ندمانة…”
أبويا وقف فجأة، واتلفت لي… وشه كان ميت، وعينيه فاضية تماماً من أي رحمة أو عاطفة ناحيتي. وبصلي بصوت هادي ومخيف قال: “أنتِ مش بنتي… اسمك اتكتب في صفحة الموتى عندي من النهاردة. ابنك هيربي معايا ومع عيلة محمود، وأنتِ مالكيش مكان في بيتي ولا في حياتنا. لو شفتك قربتي من العمارة أو سألتي عن ابنك، بيا إيدي يا ندى… غورى من وشي!”
أبويا سابني ومشى بخطوات سريعة، ومعدش فارق معاه إنني واقفة في الشارع بالهدومي اللي غرقانة دم ناشف ومتوسخة، مفيش معايا جنيه واحد ولا تليفون ولا أي حاجة!
وقفت في الشارع والشمس بتلسق في وشي، والناس بتعدي من جنبي وتبصلي باستغراب من منظري المبهدل. كنت حاسة إنني غريبة في الدنيا دي كلها. رجلي أخدتني غصب عني، ومستحملتش أروح أي مكان غير المستشفى… كنت لازم أشوف محمود. لازم أركع تحت رجليه حتى لو هيطردني، لازم أسمع صوته، لازم أقوله إني عرفت قد إيه أنا رخيصة وهو عالي وزينة الرجال!
وصلت المستشفى بعد ما مشيت ساعات على رجلي. دخلت بكسرة ودموع مش بتوقف. الممرضين في الدور كانوا عارفيني ومستغربين إني أفرج عني. مشيت في الممر بخطوات مرعوبة لحد ما وصلت لغرفة الرعاية المتوسطة اللي اتنقل لها محمود.
فتحت الباب ببطء شديد وبشويش…
محمود كان قاعد على السرير، ساند ظهره على المخدة، وشه كان أصفر وناهك جداً، ولفايف الشاش مغطية رأسه بالكامل، وإيده فيها المحاليل. أمه كانت قاعدة جنبه ومسكة إيده وبتبكي.
أول ما أمه شافتني، قامت وقفت زي اللبؤة المجروحة، وكانت ، بس محمود رفع إيده الضعيفة بصعوبة وقال بصوت خافت ومجهد للغاية: “سبيها يا أمي… سبيها تدوي.”
أمه بصتلي بنظرة كره عمرها ما هتتمحى من عقلي، وسابت الأوضة وخرجت وقفلت الباب وراها.
أنا اترميت في الأرض عند طرف السرير، زحفت على ركبي ودموعي بتغرق جزمته المرمية في الأرض. مسكت طرف الملاية وبقيت أصرخ بصوت مكتوم وأنا بنتحب: “محمود… سامحني يا محمود! ، بس ما تبصليش كدة! أنا جزمة في رجلك يا محمود… أنا أوسخ إنسانة في الدنيا! أنت أنقذتني من السجن ليه؟ أنا كنت أستاهل أترمى في الظلمة باقي عمري! أرجوك اتكلم، زعق، اصرخ فيا بس ما تسكتش!”
محمود كان باصص لي من فوق… عينيه مكانش فيها غضب، ولا انتقام، ولا حتى كره. كان فيها حاجة أصعب بمليون مرة من الكره… كان فيها “عدم وجود”. كان باصص لي كأنه باصص لشيء شفاف مالوش أي قيمة ولا وجود في الحياة.
محمود أخد نفس عميق بوجع، ومسك صدره بإيده، وبصلي بنبرة صوت ميتة ومفهيش أي نقطة دفء:
“قومي أقفى يا ندى… متوطيش كدة، مش عشان كرامتك، عشان كرامتك ماتت خلاص. أنا مانقذتكيش عشانك… أنا أنقذت ابن محمود، مش ابنك أنتِ. أنا عملت كدة عشان الابن ده يرفع رأسه لما يكبر وما يحسش بكسرة العار اللي أنتِ كنتِ عايزة تلبسيهالنا إحنا الاتنين.”
كلامه كان بيقطع في قلبي . قمت وقفت وأنا برتعش ومستنية حكمه الموت.
محمود كمل وهو بيبص للناحية التانية من الأوضة، كأنه قرفان يبص في وشي:
“أنتِ كنتِ بتدوري على الشغف؟ كنتِ بتدوري على الراجل اللي يجننك ومش عاجبك الوقار والستر والنعمة اللي ربنا كان حاططها في بيتك؟ أنتِ دلوقتي حرّة يا ندى… أنتِ طالق بالثلاثة. طالق طلاق يقطع أي خيط كان بيننا للابد.”
الكلمة نزلت على دماغي زي القنبلة! صرخت: “لا يا محمود! لا أرجوك متطلقنيش! أنا عرفت قيمتك والله العظيم عرفت! أنا عايزة أعيش تحت رجلك!”
محمود بصلي لأول مرة في عينيا، وبصوت زي الجليد قال: “أنتِ طالعة من حياتنا نهائياً. ابني مش هتشوفيه، ولا هتحلمي تلمسيه. ولو فكرتي ترفعي قضية رؤية أو حضانة، المحامي بتاعي معاه الاعترافات المسجلة لصاحبتك سارة في القسم، والتفريغات اللي تثبت إنك كنتِ بتتآمري استقرار البيت… والقانون ساعتها يسقط عنك الحضانة والاهلية فوراً. اطلعي برة يا ندى… اطلعي برة حياتي وعيشي الشغف والحرية اللي كنتِ بتموتي عليهم!”
محمود ضغط على زرار استدعاء الممرضة. الممرضات والأمن دخلوا الأوضة بسرعة، ومسكوني من دراعي وبيسحبوني لبرة وأنا بصرخ وبتمسك في السرير وفي الأبواب: “محمود! ابني! عشان خاطر ربنا ما تحرمنيش من ابني! يا محمود!!!”






