روايات وقصص

حكايات زهره الربيع

الظابط قرب مني، وطلع الكلبشات الحديد من جيبه، ومسك إيدي وحط الحديد في معصمي قدام أبويا وأخويا وحماتي والناس اللي كانت وافقة تتفرج في الممر!

وقال بنبرة حاسمة: “أتفضلي معايا يا مدام… أنتِ متهمة بالتآمر والتحريض على التلفيق والتسبب في إصابة زوجك بحالة حرجة، وأقوالك هتتاخد في النيابة العامة!”

مقالات ذات صلة

أنا مكنتش حاسة بالوجع من القلم، ولا بالحديد اللي بياكل في إيدي… كنت باصة لابني اللي كان واقف مع أخويا وبيعيط بصوت عالي ومستغرب، وباصة لأبويا اللي وطي رأسه في الأرض وهو بيبكي بدموع العجز والعار من اللي عملته بنته!

أخدوني على قسم الشرطة، ودخلوني النيابة بليل. أترعشت وأنا واقفة قدام وكيل النيابة، وصاحبتي سارة واقفة جنبي بكلبشها، وبتبصلي بنظرات غل وكره وتقول للنيابة: “هي اللي زنت عليا يا بيه! هي اللي قالتلي جوزي خنقني وأنا عايزة أخلص منه بالخطة دي! أنا ماليش دعوة هي اللي خططت لده كله!”

صدر قرار النيابة بحبسنا إحنا الاتنين 4 أيام على ذمة التحقيق، وطلب تحريات المباحث التكميلية، والاستعلام عن حالة الزوج محمود إذا كان ينفع تتأخد أقواله ولا لأ.

نزلت التخشيبة… الحجز الضيق، المظلم، اللي ريحته خنقة وناس شكلها يخوف. قعدت في زاوية في الأرض، ضامة ركبتي لصدي، والندم بياكل في قلبي وعقلي زوايا زوايا. كنت بفتكر محمود لما كان يصحى الصبح يبتسم في وشي، لما كان يجيبلي كل اللي نفسي فيه قبل ما أطلبه، لما كان بيشيل ابنه ويلعبه بحب… الراجل اللي كان سندي ونعمتي، أنا ردتله كل ده بالغدر والخسة!

مرت الأيام الثلاثة الأولى زي . مفيش حد من أهلي زارني، أبويا رماني ومسألش فيا، وأخويا أخد ابني مني ومنعني حتى إني أسمع صوته. بقيت لوحدي تماماً في ظلام التخشيبة.

وفي اليوم الرابع، الصبح بدري، باب التخشيبة اتفتح العسكري ندى باسمي: “المتهمة ندى… اتفضلي عشان طالعة للعرض على النيابة لتجديد الحبس!”

طلعت وأنا مكسورة، جسمي هزيل ووشي شاحب. دخلت مكتب وكيل النيابة، ولقيت المحامي بتاع عيلة محمود قاعد، وأبويا قاعد في الزاوية مش راضي حتى يبص في وشي.

وكيل النيابة بصلي وقال بنبرة جادة جداً: “يا ندى… جيلنا تقرير جديد من المستشفى فوراً بخصوص حالة زوجك محمود…”

قلبي كان بيدق زي الطبولة المكسورة وأنا منتظرة كلمة وكيل النيابة. كنت ماسكة في طرف الكلبش الحديد، وجسمي كله بتنفض من الخوف والترقب. بصيت لأبويا اللي كان قاعد وموطي رأسه في الأرض مش قادر يرفع عينيه في عين وكيل النيابة ولا محامي محمود، وكان القهر واكل ملامحه.

وكيل النيابة حط الورق اللي في إيده على المكتب، وبصلي بنظرة غموض، وقرأ التقرير بصوت هادي ورزين:

“وصلنا للتو تقرير طبي وتفريغ محضر من ضابط المباحث اللي انتقل للمستشفى… المتهم والمجني عليه محمود فاق من الغيبوبة واسترد وعيه جزئياً.”

أنا من الصدمة والفرحة صرخت غصب عني: “الحمد لله! الحمد لله يا رب! محمود عايش!” ووقعت على ركبي في الأرض وبقيت أبكي بدموع الفرحة اللي اختلطت بالخوف.

لكن وكيل النيابة كمل كلامه بنبرة حاسمة: “اسمعي بقية التقرير يا متهمة… المجني عليه أدلى بأقواله الرسمية قدام ضابط التحريات وهو على سرير الشفاء في العناية المركزة.”

أبويا رفع رأسه بسرعة وبص لوكيل النيابة بلهفة، وأنا رفعت عيني وبقيت مستنية أسمع محمود قال إيه. كنت متأكدة إنه هيطلب إعدامي، هيقول إنني خططت ودمرته، وهيديني القاضية اللي تدخلني السجن باقي عمري.

وكيل النيابة فتح المحضر وقرأ النص المكتوب على لسان محمود:

“سأل الضابط المجني عليه: هل تتهم زوجتك ندى أو صديقتها سارة  أو التآمر عليك؟

فأجاب الزوج بصوت ضعيف: لا… أنا لا أتهم أحداً. الست اللي دخلت الشقة كانت جاية في حاجة تخص زوجتي، وأنا جالي هبوط حاد وانفعال مفاجئ بسبب الإجهاد في العمل وسقطت على الترابيزة الإزاز. زوجتي ملهاش دعوة بإصابتي، وما فيش أي مؤامرة… وأنا بطلب التنازل عن أي حق مدني أو جنائي ضد زوجتي سارة أو ندى، وبقفل البلاغ.”

المكتب كله ساد فيه الهدوء. أنا اتسمرت في مكاني مش مصدقة اللي بسمعه! محمود؟ محمود الراجل اللي أنا حاولت أكسر وألبسه قضية خيانة عشان أخلص منه… يقوم يفيق من الغيبوبة أول حاجة يعملها إنه يبرأني قدام البوليس وينقذني من السجن؟!

وكيل النيابة كمل بأسف: “الضابط سأله: ليه بتتنازل يا محمود رغم إن التحريات وأقوال الصديقة بتؤكد وجود ملعوبة؟

رد الزوج وقال بالحرف: أنا مش هسمح إن ابني الوحيد يكبر ويتربى في وسط الناس ويقال إن أمه كانت رد سجون أو ردت في قضية آداب… أنا بحمي اسم ابني، ومش عشانها هي.”

الكلمات دي كانت أشد وأقسى من مليون قلم على وشي! كانت زي مية النار اللي اتدلقت على قلبي وكرامتي. محمود ما أنقذنيش عشان بيحبني أو سامحني… محمود أنقذني عشان ينضف اسم ابنه من القذارة اللي أنا رميت نفسي وفيها! أثبت في آخر لحظة إنه أعظم وأرجل من كل تخيلاتي المريضة، وأنا أثبت إنني أحقر إنسانة مشيت على الأرض!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى