روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

حاولت أقدم خطوة، حاولت أخرج من الضلمة عشان أشاركهم فرحتهم أو أقول لابنتي “مبروك يا حبيبتي”، بس إجري اتسمرت في الأرض.. حسيت إني غريب، إني مسخ ملوش مكان في اللوحة الجميلة دي.

وفي اللحظة دي، هدى رفعت عينها بالصدفة، وشافتني واقف بعيد تحت عمود النور الخافت.

ملامحها متغيّرتش.. مكنش في عينها كره ولا غضب ولا حتى شفقة. بصتلي ثواني معدودة، ببرود تام، كأنها بتبص لشيء ملوش قيمة، أو مجرد غريب عدى في الشارع ومشيت عينه عليه بالصدفة.. وبعدها لفت ظهرها، ورجعت تضحك وتوزع الشربات مع ولدها وأخوها.

النظرة دي كانت أشد من كل أحكام المحكمة. النظرة دي أكدتلي إن كريم بالنسبة لهدى انتهى ومات وتم دفنه تحت تراب الحارة اللي كان بيستحقره.

رجعت عربيتي التهالكة، وقعدت في الضلمة أفتكر كلمة صفاء: “هتروح فين بمؤهلها ده؟ تعيش عالة على أخوها؟”.

وضحت بمرارة وضحت بصوت عالي دموعي مغرقة وشي:

“أنا اللي صرت عالة.. أنا اللي صرت ولا حاجة من غيرها”.

مرّت سنة كاملة على ذلك اليوم.. سنة كانت كفيلة بأن تجعلني أعيد حسابات حياتي كلها بالمسطرة والقلم.

بعت الشقة والسيارة لسداد الديون وأقساط بنك التسليف، ورجعت للعيش في شقة صغيرة بالإيجار في حي متوسط. بقيت أصحى كل يوم على صوت السكون ، أدخل المطبخ أعمل كوباية شاي لنفسي، وأفتكر “هدى” لما كانت بتقدمهولي بابتسامة صافية وكلمة حلوة تتسحب من بين شفايفها، وأنا كنت بقابلها ببرود وزعيق وبخل.

مروة حصلت على الطلاق وتمت تسوية كافة الأمور المالية معها بحجم الخسائر، وسط شماتة أهلها ونظرات التعالي التي طالما كنت أهرب منها. أما أختي صفاء؟ فبعد أن انقطعتُ عنها، حاولت الاتصال بي مراراً وتكراراً حينما أدركت أنني أفلست وأن “الواجهة الاجتماعية” التي كانت تتغنى بها قد انهارت، لكنني لم أرد على أي مكالمة. لقد مسحت رقمها من حياتي تماماً؛ لأنني كلما سمعت صوتها، تذكرت النفق المظلم الذي قادتني إليه بغرورها وعقدها النفسية.

في يوم الأحد، وهو موعد رؤية الأولاد القانوني في نادي قريب من منطقتهم، كنت أصل قبل الموعد بساعة كاملة. أقعد على الدكة وأنا ماسك في إيدي أكياس فيها لعب ولبس جديد جايبه بدم قلبي ومن قوت يومي، بس عشان أشوف ابتسامة مريم وأخوها.

ولكن الشوق والألم كانا أكبر من أن ينتظرا موعد الرؤية الأسبوعي.

في مسائي الأخير، وبعد أن جمعتُ مؤخر الصداق كاملاً ونفقة الشهور القادمة،سرتُ بقدَمين ثقيلتين نحو الحارة. لم أعد أستحي من الدخول إليها، بل أصبحت أراها المكان الوحيد الذي يحتوي على أناس حقيقيين يعرفون معنى النخوة والكرامة.

كان الأتيليه قد توسع وأصبح “شركة صغيرة للتطريز والملابس الجاهزة”، فيه لوحة مضيئة كبيرة يحمل اسمها، وسيارات نقل صغيرة تحمل البضائع للمحلات الكبرى. هدى لم تعد مجرد صاحبة مشروع بسيط، بل أصبحت قصة نجاح تتحدث عنها المنطقة كلها، وست بيت بدرجة “سيدة أعمال” نجحت بجهدها وعرقها ودون أن تحتاج لشهادة هندسة أو لفضل من أحد.

وقفتُ أمام باب الأتيليه، وطلبتُ من أحد العمال أن ينادي لي “المعلم أحمد” أخاها.

خرج أحمد، ولما رآني، لم يعد في عينيه ذلك الغضب الأول، بل كانت فيهما نظرة شفقة وهدوء أشد قسوة من أية خناقة.

قلتُ له بنبرة مكسورة ورأس منخفض: “يا معلم أحمد.. أنا جاي أسلم الأمانة دي، دي باقي الحقوق والمؤخر.. وأنا مش جاي أعمل مشاكل والله، أنا جاي بس أطلب طلب واحد وأتمنى متكسرنيش فيه”.

أحمد أخذ الظرف وهز رأسه بوقار: “حقوقها وصلتك وربنا يعوض عليك يا كريم.. اتفضل، عايز إيه؟”.

قلتُ والدموع تخنق صوتي: “عايز أقعد مع هدى خمس دقائق بس.. قدامك وقدام الناس كلها، أقولها كلمتين في صدري ماشيين معايا زي النار، وبعدها أوعدك مش هتشوفوا وشي تاني أبداً إلا في حدود الأولاد والقانون”.

أحمد نظر لي طويلاً، ثم التفت ونادى على هدى.

خرجت هدى من مكتبها الداخلي. كانت ترتدي ثوباً وقوراً، وتبدو أضخم وأعظم بكثير من تلك المرأة التي كنت أستضعفها وأحسبها “مضمونة”. وقفت على بُعد خطوات، ونظرت إليّ بهدوء تام خالي من أي انفعال.

بلعتُ ريقي وقلتُ بصوت يرتجف:

“هدى.. أنا مش جاي أترجاكي ترجعي، ولا جاي أقولك سامحيني؛ لأن اللي عملته فيكي مبيتسامحش.. أنا جاي أقولك إني كنت أعمى، وكنت غبي، وكنت فاكر إن الشهادة والمظاهر والفلوس هما اللي بيصنعوا البني آدم. أنا شفت الويل في غيابك، وعرفت إن القيمة الحقيقية كانت فيكي أنتِ، في أصلك ونظافتك وصبرك عليا.. صفاء أختي ومروة والكومباوند والشهادات كانوا مجرد قشور فارغة، وأنتِ كنتِ الجوهر اللي أنا رميته برجليا في التراب”.

تنفسّتُ ب any صعوبة وتابعت: “أنا خسرت كل حاجة يا هدى.. خسرت شغلي، وخسرت برستيجي، وخسرت نفسي.. والنهارده أنا جاي أقولك إني بطلب منك تعفي عني بينك وبين ربنا، عشان أعرف أعيش اللي فاضل من عمري من غير ما إحساس الذنب يخنقني كل ليلة”.

هدى فضلت ساكتة.. الهدوء كان سيد الموقف.

نظرت إلى الشارع، ثم نظرت إلى أخوها، ورجعت بصت في عيني مباشرة وقالت بنبرة هادية وراسخة زي الجبل:

“أنا سامحتك يا كريم.. مش عشانك، ولا عشان لسه ليك مكان في قلبي.. أنا سامحتك عشان أفضّي قلبي تماماً من أي ذكرى تخصك، عشان أقدر أربي مريم وأخوها بنفسية صافية مفيهاش غل ولا كره لأبوهم. أنت مش شرير يا كريم، أنت بس كنت ضعيف ومسخ، وسيبت غيرك يفكر لك ويلعب بدماغك لحد ما ضيعت نعمة ربنا من إيدك. ربنا يسامحك ويهديك لنفسك.. بس الطريق بيننا اتقطع خلاص وما ملوش رجعة”.

لفت ظهرها ودخلت للداخل، ودخل أحمد وراها وقفل الباب ببطء.

وقفتُ لوحدي في منتصف الحارة، بينما كانت أضواء الأتيليه تعكس ظلي على الأرض.

في تلك اللحظة، عرفتُ أن العقاب الحقيقي لم يكن القضايا ولا خسارة الأموال، العقاب الحقيقي هو أن تعيش بقية حياتك وأنت مدرك تماماً أنك أضعت من يدك أثمن ما ملكت، وأن الشخص الذي كنت تحسبه “لا شيء بدونك”، أثبت للعالم كله أنك أنت الذي أصبحت “لا شيء بدونه”.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى