روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

خرجت الجملة من بقها زي ما كانت بتخرج من بؤ أختي صفاء.. نفس الفوقية، نفس النظرة اللي بتشوف الإنسان مجرد رقم ومستوى اجتماعي. اكتشفت ساعتها إن مروة مكنتش شايفاني “كريم”.. كانت شايفاني “البشمهندس اللي هيحقق لها الرفاهية”.

سيبت البيت وخرجت للشارع، الشوارع كانت فاضية بالليل، والبرد بيقطع في الوش. مشيت بعربيتي بغير هدى، ولقيت نفسي تلقائياً رايح ناحية الحارة.

مقالات ذات صلة

ركنت البعيد، وبصيت على المحل.. كان مقفول، بس النور في شقة هدى في الدور التاني كان قايد. شفت خيالها من ورا الستارة، وهي بتغطي العيال وتقعد جنبهم تقرأ كتاب أو تراجع شغلها.

حسيت بالبيت.. الدفا اللي ضيعته بإيديا. العيلة اللي بعتها عشان شوية مظاهر فارغة وكلام أخت مريضة بالغرور.

في اللحظة دي، جاني مسدج على التليفون من المحامي: “يا بشمهندس، جلسة النطق بحكم الطلاق للضرر وتحديد النفقة النهائية بكرة الصبح.. حضورك ضروري”.

مسكت التليفون وإيدي بترعش، وبصيت للنور اللي في شباك هدى. عرفت إن بكرة مش بس جلسة حكم، بكرة هو اليوم اللي هتتقفل فيه أخر صفحة في كتاب غروري، واليوم اللي هيدفع فيه كريم ثمن كل لحظة استحقار وكسرة قلب سببهالي للست اللي كانت صايناه وقابلة بيه، لحد ما صحاها بقسوته على حقيقتها وحقيقته.

في صبيحة اليوم التالي، كانت قاعة المحكمة باردة بشكل يقبض النفوس، وصوت الخطوات يتصاعد بين الطرقات كأنه دقات ساعة تعلن اقتراب الحساب. حضرتُ متأخراً دقائق، وجلستُ في المقاعد الخلفية وجسدي يعتصر هماً.

وبعد لحظات، دخلت “هدى”.

لم تكن ترتدي عباءتها القديمة المبتلة بدموع القهر، ولا وشاحها البسيط الذي طالما استحقره كبريائي. كانت ترتدي طقماً رسمياً أنيقاً وبسيطاً، تفصيل يدوي متقن من صنع أتيليهها الجديد، وخطواتها ثابتة، وعيناها مرفوعتان برأس شامخ لم أعهده فيها طوال سنوات زواجنا. كان يجلس بجانبها محاميها وأخوها “أحمد” الذي ينظر لي بنظرات ثاقبة هادئة، بينما جلستُ أنا بجوار محاميّ ومروة التي أصرت على الحضور “لتشهد نهاية هذه المهزلة” كما أسمتها، وبجانبها أختي “صفاء” التي كانت تتخفى وراء نظارتها الشمسية وتحاول إظهار التماسك والتعالي رغم ارتباكها الواضح.

بدأت الجلسة، وقدم محامي هدى المستندات: الفواتير التي تثبت أرباح أتيليهها وتكفلها التام بمصاريف الأولاد خلال الأشهر الماضية، والشهادة الطبية للطفل يوم العزومة الشهيرة، بالإضافة إلى شهادات جيران الكومباوند وزملائي في الشركة ممن شهدوا بتقصيري وإهاناتي المستمرة لها وإهمالي التام لبيتي بعد زواجي الثاني.

حاول محاميّ أن يدفع بأنني مهندس ذو دخل ممتاز وأنني يوفر لها وللأولاد الحياة الكريمة، لكن محامي هدى وقفت برزانة وقدمت للقاضي تسجيلات صوتية ورسائل نصية كنتُ أرسلتها لها بنفسي، أهددها فيها بقطع المصاريف إن لم تتأدب وتعرف “حجم مؤهلها ومستواها”.

في تلك اللحظة، نظرتُ إلى صفاء أختي.. كان وجهها يحمر خجلاً وصمتاً، ومروة بجانبي تتململ في تأفف وقرف وهي تمسح شاشتها وتهمس لي بحدة: “أنت إيه التسجيلات المتخلفة دي؟ أنت عريتنا قدام القاضي!”.

وقف القاضي، وبعد مداولة قصيرة، نطق بالحكم:

“حكمت المحكمة تطليق المدعية ‘هدى’ طلقة بائنة للضرر، مع إلزام المدعى عليه بجميع حقوقها الشرعية من مؤخر وصداق، والتكفل الكامل بنفقة الأولاد الملبس والمأكل والمشرب والمأوى، ونقل حضانة الطفلين لأمهما مع إلزام المدعى عليه بتوفير أجر مسكن مناسب لهما أو الاستمرار في دفع إيجار مسكنهن الحالي بالحارة”.

طُرقت المطرقة، وصوت الرقعة كان كأنه مسمار يُدق في نعش غروري الكاذب.

خرجت هدى من القاعة بخطوات هادئة، ولم تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة. جرت مروة خطاي بحدة وهي تصرح في القاعة: “إيه المصاريف دي كلها؟ أنت كده بتفلسنا يا كريم! أنا مش ممكن أعيش مع واحد نص مرتبه يروح لواحدة جاهلة وأولادها! أنت لازم تتصرف أو كل واحد يروح لحاله!”.

التفتُّ لمروة، وبصيت في وشها بجمود، النظرة اللي كانت هدى بتبصهالي زمان.. وقلت لها بصوت جاف ميت: “أنتِ مش كنتِ بتقولي إنك مهندسة ومن مستوايا وبتفهميني؟ أدي أنتِ شفتي مستوايا الحقيقي.. لو مش عاجبك الباب يفوت جمل”.

اتصدمت مروة، وشهمت صفاء أختي وقالت بذهول: “أنت بتكلم مروة كده يا كريم؟ أنت اتجننت؟”.

صرخت في صفاء في نص طرقة المحكمة قدام الناس: “أنا اتجننت اليوم اللي سمعت فيه كلامك! اليوم اللي بعت فيه الست اللي صانتني وشالتني عشان أرضي عقدك ونقصك! غوري من وشي أنتِ وهي، مش عايز أشوف وحدة فيكم تاني!”.

تركتهم وسطهن مذهولات، ومشيت أجر خيبتي.

مرت شهرين بعد الطلاق..

شقة مروة الجديدة أصبحت جحيماً لا يطاق. الخناقات يومية على القرش وعلى الأقساط، ومروة رفضت تماماً تساعد بجنيه واحد من مرتبها، وبقت تخليني أصرف على المظاهر والبراندات وهي شايفاني بغرق في الديون عشان أوفي بنفقة هدى والأولاد. وفي النهاية، جمعت مروة هدومها وطلبت الطلاق ورجعت لبيت أهلها لما عرفت إن البنك بدأ يحجز على جزئية من مرتبي بسبب تراكم الديون!

خسرت مروة، وخسرت أختي صفاء اللي قاطعتها تماماً، وبقيت عايش لوحدي في الشقة المؤجرة، آكل وجبات سريعة، وألبس هدوم مش مغسولة كويس، وأرجع بيتي الضلمة الفاضي كل يوم أسأل نفسي: “أنا عملت إيه في نفسي؟”.

وفي يوم جمعة، قررت أروح الحارة من غير ما حد يعرف..

وقفت بعيد، جنب أول الشارع، وشفت أتيليه “هدى”.

المحل بقى أكبر، وفتحت فرع ثاني جنب البيت، واليافطة بقت تنور في الشارع كأنها شمس. شفت هدى واقفة وسط الستات، لابس طقم أنيق جداً، ووشها مليان راحة ورضا، وضحكتها بتسمع الشارع.

وفجأة، شفت مريم وابني الصغير نازلين من البيت، أشكالهم نضيفة، لبسهم شيك، ومريم ماسكة شهادتها في إيدها وبتجري على أمها: “ماما! أنا طلعت الأولى على المدرسة!”.

هدى ، وأخوها أحمد جاب شربات ووزعه على أهل الحارة اللي كانوا بيزغرطوا ويحتفلوا بنجاح بنتي.

كنت واقف في الضلمة بعيد، والدموع بتنزل من عيني بحرقة. الابن اللي كنت فاكر إن هدى هتضيعه بمؤهلها والدبلوم، بقى يتربى في وسط بيئة مليانة حب وكرامة وعزة نفس.. والبنت اللي كنت فاكر إنها هتتكسر، بقت الأولى على مدرستها بفضل شقا أمها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى