روايات وقصص

سلفتى حكايات رومانى مكرم 1

لكن شيماء لم تتوقف، ولم تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة. فتحت باب البيت الكبير الشارع، وخرجت إلى ظلام الليل.

انقضت ليلة العقيقة بطريقة لم يتوقعها أحد. الضيوف كانوا قد غادروا قبل الأحداث بحديث قصير، لكن الجيران في البيوت المجاورة استشعروا أن هناك أمراً ما يحدث. التفت الحارة الشعبي حول القصة في الصباح الباكر. أين ذهبت شيماء؟ أين نائمة تلك الليلة؟

مقالات ذات صلة

في اليوم التالي، كانت شقة حماتي تغلي. جلسنا جميعاً في الصباح نرتشف الشاي، لكن الطعم كان مختلفاً. لم يكن هناك أكل شهي نلقيه في الزبالة ونضحك، لم تكن هناك هدايا بسيطة نتطنز عليها، ولم تكن هناك “شيماء” ننادي عليها لتنظيف السلم أو إعداد الشاي للضيوف.

قالت حماتي وهي تضرب كفاً بكف: “البت دي راحت فين؟ اتصلت بإخواتها يا أحمد؟”

رد أحمد وهو يجلس على الكنبة والجمود يكسو وجهه، عيناه تحتها هالات سوداء جراء السهر: “اتصلت بـ “محمود” أخوها الكبير. أول ما سمع صوتي، قال لي بكل بورد: (شيماء عندنا في البيت، وما تتصلش تاني إلا لما تتفقوا على المأذون). ورزع الخط في وشي!”

انقبض قلبي في تلك اللحظة. أخوها الذي كنا نظن أنه بايعها ولا يسأل عنها، فتح لها بابه واستقبلها؟ كيف حدث هذا؟

قالت أخت زوجي بحدة: “أكيد هي اللي ملته وعملت له غسيل مخ! هم أصلهم عالم جحدين، بعد ما أكلت وشربت عندنا وعاشت في عزنا، طالعة تعمل علينا هانم وبتتشرط!”

لكن الحقيقة التي كنا نتهرب منها جميعاً هي أننا سلبنا من شيماء كل شيء، حتى خيل لنا أنها لم تعد تملك شيئاً تخسره. وعندما لا يملك الإنسان ما يخسره، يصبح أقوى منا جميعاً.

مرت أيام قليلة، والبيت أصبحت جوه مسموماً. الضرة الجديدة، نادية، التي كنا نرفعها فوق الرؤوس، بدأت تظهر طباعها الحقيقية. لم تكن شيماء الطيعة الهادئة. نادية كانت تطالب بالخدمة، ترفض تنظيف السلم، وتصرخ في وجه حماتي إذا انتقدت طريقة تربيتها للطفل أو طبيعة أكلها.

في أحد الأيام، بعد أسبوعين من خروج شيماء، كانت حماتي تجلس في الصالة، وأنا أعد القهوة في المطبخ. دخلت نادية وهي تحمل طفلها الذي كان يبكي بحرقة.

قالت حماتي بزجر: “ما تسكتي الولد ده يا نادية! الشقة بقت تجيب الصداع طول النهار والليل! ما تديلو اللبنة ولا اعملي له كراوية!”

ردت نادية بجفاف وهي تضع الطفل في حضن حماتي بقسوة: “أنا تعبانة طول الليل مانمتش! خذيه أنتِ سكتيه ولا اعملي له أنتِ الكراوية، أنا مش شغالة عند حد هنا! أنا المخدومة في البيت ده عشان جيبت لكم الولد اللي بيض وشكم!”

ذهلت حماتي من الوقاحة، واتسعت عيناها بغضب: “انتِ بتكلميني أنا كده؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا بت؟”

ردت نادية وهي تستدير ذاهبة إلى شقتها: “لا مانسيتش، بس أنا مش شيماء اللي كانت بتسكت لكم وتبلع لكم الزلط وترموا أكلها في الزبالة وتضحكوا عليها! أنا ليا ظهر ويا ويل اللي يجي عليا!”

وقعت الكلمات على رأس حماتي كالمطرقة. خرجت أنا من المطبخ وأنا أحمل القهوة، وعيناي معلقتان ببيت الحمات التي بدأت تترنح. لأول مرة، رأيت في عيني حماتي نظرة ندم خفية، أوربما خوف من المستقبل الذي أصبحت فيه نادية هي الآمرة الناهية.

في الأسبوع الثالث، وصلتنا الورقة الرسمية. لم تكن دعوى خلع كما هددت شيماء، بل كانت إنذاراً بطلب الطلاق للضرر، مرفقاً بقائمة من الادعاءات والمستندات، ومصحوبة بطلب لاسترداد كامل مؤخر صداقها وقائمة منقولاتها الزوجية بحسب القانون.

اجتمع أحمد مع إخوته وأمه في الصالة. كان وجهه أصفر كالليمون وهو يقرأ الورقة القانونية.

قال أحمد بصوت مرتعش: “شيماء رافعة قضية ضرر، ومجهزة شهود من الجيران.. الجيران يا أمي! الجيران اللي كانوا بيشوفوها بتعيط على السلم، والجيران اللي سمعوا صوتك وأنتِ بتقولي لها رمينا أكلك في الزبالة!”

صرخت حماتي: “الجيران؟ الجيران يتدخلوا في بيتنا؟ يتكلموا عن بيت الحاج العتيق؟”

رد أحمد بقلة حيلة: “الجيران شافوا وسمعوا كل حاجة، وشيماء راحت للست “أم أمل” اللي قصادنا، وأم أمل هي اللي شهدت معاها في المحضر وقالت إن شيماء كانت بتتعامل معاملة العبيد في البيت ده!”

تطلعتُ إلى سلفتي الثانية وأخت زوجي، ورأيت الخوف في عيونهن لأول مرة. الدائرة بدأت تدور علينا. الطيبة والهدوء اللذان استغللناهما في شيماء تحولا إلى حصن قانوني وأخلاقي يهدد بتهديم هيبة البيت بأكمله.

وفوق كل هذا، بدأت الإشاعات تنتشر في الشارع الشعبي كالنار في الهشيم. الناس الذين كانوا يشاركوننا الضحك ظاهرياً، بدأوا يتهامسون خلف ظهر حماتي: “بيت فلان قهروا اليتيمة لحد ما طردوها.. بيت فلان رموا نعمة ربنا عشان يكسروا بخاطر ست مالهاش حد.. ربنا مش بيسيب الظالم.”

في إحدى الليالي، بينما كنت أقف في شباك شقتي في الدور الثاني، أرقب الشارع الهادئ في وقت متأخر من الليل، رفعت رأسي ونظرت إلى شباك شقة شيماء المغلق بالأغلال. كانت أضواؤها مطفأة، والهواء يحرك الستارة البيضاء البسيطة التي تركتها خلفها.

تذكرت كم مرة رفعت رأسها من هذا الشباك وهي تبكي، وكم مرة أغلقت الشباك بسرعة كي تداري دموعها عن ضحكاتنا الخسيسة. تذكرت وجهها الباهت وهو يلم الزجاج المكسور في يوم العقيقة، وكلماتها الخالدة قبل أن ترحل: “اللي ما بيبقاش خايف من الموت، ما بيخافش من تهديدك.”

في تلك اللحظة بالذات، شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي. علمت أن العقاب لم يبدأ بعد، وأن القهر الذي صببناه في قلب تلك المسكينة، سينهمر علينا قطرة قطرة، وأن بيتنا الكبير الذي بنيناه على أنقاض يتيمة، بدأ يتشقق من الداخل، وأن النهاية لن تكون في صالح أي أحد منا.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى