روايات وقصص

سلفتى حكايات رومانى مكرم 3

سحر (بصوت فيه هيصة ودوشة وطمع باين من بعيد):

— “أيوة يا فريدة! إيه يا أختي أنتِ فين؟ اتصلت بيكي على شقة العجمي البواب قالنا إن الشقة اتباعت وناس غريبة استلموها! هو إيه اللي حصل؟! وأنتِ فين دلوقتي؟ سمعنا إن جوزك أجر شاليه في الساحل الشمالي، إحنا أهو لمينا العيال وركبنا الميكروباص وجايين لكم على الساحل نسهر معاكم ونقضي كام يوم، ابعتي لي العنوان بسرعة عشان الميكروباص يوصلنا للباب!”

مقالات ذات صلة

كلنا سكتنا وبصينا لفريدة ونشوف رد فعلها.. يا ترى هترجع لضعفها واستغلال أصلها، ولا الدرس عمل فيها إيه؟!

ساد الصمت في الحديقة الخشبية للشاليه، ومفيش صوت طالع غير حركة الموج الخفيفة ونسمة الهواء الصافية. كلنا بصينا لـ “فريدة”.. عيون جوزها “عادل” كانت متثبتة عليها بنظرة حادة زي السيف، وتامر قعد حاطط رجل على رجل بكل ثبات، وأنا ونسرين بنراقب المشهد برزانة وهدوء.

فريدة مسكت التليفون وإيدها كانت بتترعش في الأول، بس أخدت نفس طويل، ووشها اتحول من الخوف والارتباك لصرامة وقوة عمرنا ما شفناهم فيها قبل كده.

فريدة (بصوت حاسم وقاطع هز أركان المكان):

— “اركبوا الميكروباص وارجعوا على القاهرة فوراً يا سحر! مفيش ساحل، ومفيش مصايف، ومفيش دخول هنا لأي حد!”

سحر (بصدمة وذهول من ورا التليفون):

— “جرى إيه يا فريدة؟! أنتِ بتتكلمي كده ليه؟ ده احنا إخواتك وعيلتك! يعني أجرتم شاليه فخم في الساحل وسيبتونا في الحر بالقاهرة، وجاية تقفلي الباب في وشنا؟!”

فريدة (برد قاسي ودرس خرج من قلبي موجوع):

— “أيوة بقفل الباب في وشكم يا سحر! عشان لما جيتوا لي العجمي، دخلتم بقلة أصول، استغليتوني ودبستوني في خدمتكم وخدمة عيالكم، رميتم زفركم ورملكم عليا وعلى ناس أكابر أطهر وأحسن منكم، وفي الآخر خربتم بيتي ومشيتم ولا حد فيكم شال قشة ولا جاب علبة عصير! الشاليه ده جوزك ما دفعش فيه جنيه، والعزومة دي مش ليكم.. العزومة دي لأم تامر ونسرين بنت الأصول اللي أنا ظلمتهم وافتريت عليهم، وجوزي بيصون كرامتهم وبيصلح عمايلي البشعة. إياكِ تتصلي بيا تاني يا سحر ولا تفكري تفتحي بيتي استغلال وتكّية!”

وقبل ما سحر تنطق بكلمة ثانية، فريدة قفلت الخط في وشها بقوة، وعملت للرقم بلوك قدامنا كلنا، وحطت التليفون على السفرة وهي بتتنفس بصعوبة، بس عينها كانت مرفوعة المرة دي بنظرة ندم وتوبة حقيقية.

عادل أخد نفس طويل، ونظرة الغضب اللي في عيونه تحولت لراحة وابتسامة رضا، وطبطب على إيد مراته وقالها:

— “دلوقتي بس يا فريدة أقدر أقول إنك عقلتِ وعرفتي قيمة بيتك وأهلك الحقيقيين. اللي يبيعك ويستغلك اقفلي الباب في وشه، واللي يصونك ويرعى أصولك حطيه فوق رأسك.”

فريدة بصت لي ولنسرين والدموع في عينها:

— “حقكم عليا للآخر يا هدى.. أنا النهارده بس حسيت بالراحة لما قطعت دابر الاستغلال، وعرفتي يعني إيه الناس المقامة والناس الشبعانة من جواها زيكم.”

هدى (ابتسمت لها بقلب صافي وقبلت اعتذارها):

— “عفا الله عما سلف يا فريدة.. اللي يعرف غلطه ويصلحه يبقى ابن أصول، والصفحة القديمة اتقفلت وأترمى سرها في البحر، والنهارده بنبدأ على نظافة وإحساس.”

قضينا بقية الأسبوع في الساحل الشمالي كأنه حلم جاعلينه من الخيال. ننام ونصحى براحتنا، ننزل البحر النظيف الصافي، الأكل الفندقي الجاهز يوصل لحد عندنا على السفرة، ضحك وهزار وروقان بال مفيش بعده. نسرين كانت طايرة من الفرحة، ووشها نور ورجع لها حذق الشباب، وكانت طول الوقت متدندنة ومتعززة بحب جوزها تامر ورجولته.

وفي آخر ليلة لينا قبل ما نرجع القاهرة، كنا قاعدين كلنا في حديقة الشاليه بنشرب شاي بالنعناع وبنتفرج على القمر وهو منور على سطح المية. تامر مسك إيدي وإيد مراته نسرين وقال بتأثر:

— “الحمد لله يا أمي.. ربنا رد لكم حقكم مضاعف، وخرجنا من تجربة العجمي دي وأحنا أقوى وأقرب لبعض، وعمتي فريدة اتعلمت الدرس اللي هيحفظ لها بيتها وعزها.”

الحكمة والنعمة:

خرجت من التجربة دي بدرس عمري ما هنساه وبنصيحة أكتبها بماء الذهب لكل أم وكل زوجة وكل بيت:

* الكرامة خط أحمر: الطيب مش معناه الهبل أو السكوت عن الإهانة. لما ترفض الاستغلال بقلب قوي وأدب عالي، ربنا بيرد لك حقك ويديك فوق ما تتمنى.

* الرجولة أفعال مش كلام: الزوج أو الابن الأصيل هو اللي يكون ساتر وظهراً لأهله ومراته، وما يرضاش عليهم الدنيّة ولا يسمح لمخلوق يكسر بخاطرهم، زي ما عمل تامر وعادل.

* الاستغلال بياكل صاحبه: فريدة لما حبّت تجيب عيلتها على حساب كرامتنا، اتدبست هي في الخدمة والنكد، ولما وقفت الاستغلال رجع لها بيتها وهيبتها.

* بنات الأصول ألمس: المعاملة بالراحة والرضا ونظافة القلب بتكشف الدهن الصافي من المزيف، واللي يشتري خاطرك اشتريه بعينك، واللي يستغلك حط بينك وبينه الف سد وباب.

رجعنا القاهرة مرفوعين الرأس، بقلوب مليانة رضا وحب وثبات، وعرفنا إن العز الحقيقي مش بالشقق ولا بالمصايف.. العز بالنفس الشبعانة، والرجولة اللي تصون، والكرامة اللي ما تتباعش بأي ثمن.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى