Uncategorized

١٨ سنه حكايات اسما السيد 3

مسكت الأم يد أزل الملساء وقبلتها بدموع ندم طال انتظارها:

— سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا دكتورة.. أنا ظلمتك وظلمت الشاب ده.. كنت فاكرة إني صح، بس طلع هو الراجل اللي يحميكي بجد.. أنا بقيت خايفة أموت وربنا يحاسبني على كسرة قلبك.

مقالات ذات صلة

أغمضت أزل عينيها، ونزلت دمعة دافئة على خدها. لم تكن ترغب في الانتقام من أمها المريضة، بل كانت ترغب فقط في الاستقرار والتخلص من أشباح الماضي.

— المسامح ربنا يا أمي.. المهم دلوقتي إننا نعيش في سلام، وآدم يكبر بعيد عن مشاكل عيلة أبوه.

في ظهر اليوم التالي، كان شاهين في مكتبه الفاخر بوسط القاهرة، يقود شبكة اتصالات موسعة. بحنكة رجل الأعمال المتمرس، استطاع تحريك القضايا وتجميد أصول عدنان والضغط على الشركاء للانسحاب من المناقصات.

خلال ساعات قليلة، ورد اتصال لأزل من عدنان نفسه، كان صوته يرتجف ويتوسل:

— دكتورة أزل.. أنا بعتذر عن كل اللي حصل.. أنا تنازلت رسمياً عن أي طلب حضانة أو وصاية على آدم، وكتبت تنازل في السفارة ومكتب المحاماة.. بس قولي للبشمهندس شاهين يرفع إيده عن شركتي! أنا هفلس!

أغلقت أزل الخط بابتسامة نصر هادئة. لقد انتهى كابوس عدنان للأبد، وبقوة شاهين تحطمت كل التهديدات التي كانت تقض مضجعها.

مع حلول المساء، عادت أزل إلى الوحدة الصحية لتنهي بعض التقارير الطبية قبل إغلاق الجناح. كانت السماء تمطر قطرات خفيفة، ورائحة الأرض المبتلة تعيد إليها ذكريات طفولتها.

وفجأة، سمعت صوت الخطوات المألوفة في الممر الخالي.

رفعت رأسها لتجد شاهين يقف عند الباب. كان يرتدي معطفاً داكناً، وشعره مبتل بقليل من المطر، وعيناه تبرقان برغبة حاسمة لا تحتمل التأجيل.

— خلصتي شغل؟ سألها بنبرة دافئة.

— خلصت.. ردت أزل وهي تغلق الملف الأخير وتقف من خلف مكتبها.

خطى شاهين نحوها حتى أصبح أمامها مباشرة، وأخرج من جيب معطفه علبة مخملية صغيرة سوداء، فتحها ببطء لظهر خاتم ماسي بسيط وأنيق، يلمع تحت الإضاءة.

توقفت أنفاس أزل، ونظرت للخاتم ثم لعينيه.

قال شاهين بصدق ونبرة تهز الوجدان:

— الخاتم ده كان مفروض يتلبس في إيدك من ١٥ سنة يا أزل.. اشتريته بأول قرش حقيقي كسبته من تعبي، وفضل معايا في كل بلد سافرتها وكل قصر بنيته. أنا مسحت عدنان من طريقك، وأمك اعترفت بغلطها، وآدم بقى بيشوفني ضهره.. فاضل حاجة واحدة بس عشان الدائرة تكتمل.

اقترب منها أكثر حتى شعرت بدفء أنفاسه:

— تتجوزيني يا أزل؟ تتجوزيني وتخلينا نبدأ حياتنا الحقيقية اللي اتسرقت منا؟

تجمعت الدموع في عيني أزل، لكنها هذه المرة لم تكن دموع قهر أو خوف، بل كانت دموع الفرح الذي طال انتظاره. رفعت يدها ببطء لتضعها في يده القوية، وقبل أن تنطق بالكلمة التي ستقلب حياتهما..

ارتفع صوت جرس هاتف شاهين برنين عاجل ومتواصل، يقطع سكون اللحظة المصيرية.

نظر شاهين إلى الشاشة، فانعقدت حاجبا فوراً وتغيرت ملامحه الوضاءة إلى الجدية والعدائية فجأة.

— مين بيصل دلوقتي؟ سألت أزل بقلق مفاجئ.

نظر شاهين لأزل وقال بصوت خفيض مشحون بالغموض:

— ده محامي العيلة في الخليج.. فيه خبر عاجل وصل عن وصية مراد الأخيرة.. خبر هيغير كل الترتيبات يا أزل!

صُدمت أزل وارتجفت يدها وهي تنظر إلى وجه شاهين الذي انقلبت ملامحه كلياً. انخفضت علبة الخاتم في يده ببطء، وتوقف الزمن مجدداً بينهما في ذلك الممر الخالي.

تنفّس شاهين ببطء، وفتح الخط ووضع الهاتف على أذنه دون أن يفلت عيني أزل:

— اتفضل يا متر.. خير؟

جاء صوت المحامي عبر الهاتف عبر مكبر الصوت الخفيض، واضحاً بنبرة رسمية قاطعة:

— مساؤك بالخير يا بشمهندس شاهين.. بعتذر للاتصال في الوقت ده، بس كان لازم أبلغ الدكتورة أزل فوراً. بعد التنازل اللي قدمه السيد عدنان، ظهرت الوصية الموثقة والأخيرة للمرحوم مراد الشافعي، والوصية دي كان شارتها ألا تُفتح إلا بعد تنازل أقاربه عن أي دعاوى حضانة.

ابتلعت أزل ريقها وتقدمت خطوة:

— وصية إيه يا متر؟ مراد كتب إيه؟

أكمل المحامي بثبات:

— المرحوم مراد كان عارف طمع عيلته كويس يا دكتورة. في الوصية كتب بالحرف: “كل أملاكي وشركاتي تُدار بالكامل تحت وصاية وإدارة الدكتورة أزل الشافعي لحين بلوغ ابننا آدم سن الرشد، وله مطلق الحق في إدارتها بعد ذلك.. وأُشهد الله أنني ظلمت هذه المرأة وصبرت عليّ وعلى قسوتي، ولها كامل الحرية والشرف في إدارة التركة والزواج بمن تشاء، ولا يحق لأحد من عائلتي التدخل في حياتها أو حياة ابني”.

ساد صمت عميق في الممر. كانت كلماته كأنها إبراء ذمة متأخر من رجل رحل عن الدنيا، اعتراف بالألم والظلم الذي ألحقه بها، وتأكيد على أن صبر أزل وكرامتها لم يذهبا سدى.

أغلق شاهين الخط ببطء، ونظر إلى أزل. تلاقت نظراتهما، وشعرت أزل وكأن السلسلة الأخيرة التي كانت تقيد روحها ونفسها قد تحطمت كلياً إلى غير رجعة. لم يعد هناك ذنب، ولا خوف من كلام الناس، ولا مطاردة من الماضي.

ابتسم شاهين ابتسامة دافئة عريضة تخرج من أعماق قلبه، وأخذ الخاتم الماسي من العلبة السوداء، ورفع يد أزل بثبات.

— الحقيقة وضحت يا أزل.. والعدل أخد مجراه. دلوقتي مفيش أي حاجة في الدنيا تقدر تقف بيننا.

أدخل الخاتم الماسي في إصبعها. انهمرت دموع الفرح من عيني أزل، ولم تسحب يدها هذه المرة، بل ضغطت على يده بدفء وحنان وقالت بصوت يملؤه اليقين:

— موافقة يا شاهين.. موافقة أبدأ معاك العمر اللي فاضل.

بعد مرور ستة أشهر..

كانت القرية تتزين بأبهى حلتها. أُنيرت شوارع الأرياف بالأنوار الساطعة، واحتشد أهالي البلدة جميعاً في باحة المجمع الطبي الجديد—جناح الأطفال والأورام الذي اكتمل بناؤه بأحدث الطرازات العالمية باسم “جناح الدكتورة أزل الشافعي للرعاية الطبية”.

وقف شاهين ببدلته الكحيلية الفاخرة، يمسك بيده يد أزل التي أطلت كالأميرات بثوب أبيض راقٍ وهادئ، يعكس وقار الدكتورة ونقاء عودتها. بجانبهما كان يقف “آدم”، وقد ارتدى بدلة أنيقة ويقف بثقة وافتخار بجانب أمه وشاهين الذي صار له بمثابة الأب والسند والقدوة.

وعلى كرسيها المتحرك في صدارة الحفل، كانت أم أزل تجلس وعيناها تفيضان بدموع الفرح والندم، تمسك بيد أختها (أم شاهين) وتعتذر لها وتدعو للعروسين ببركة العمر والوفاق.

قص شاهين وأزل شريط افتتاح الجناح الطبي وسط تصفيق حار ودعوات الأهالي.

التفت شاهين نحو أزل، ومال عليها بهمس دافئ في زحمة الفرح:

— فاكرة لما كنتي بتقولي إنك خرجتي من الأرياف وقرفها؟

ابتسمت أزل ورفعت عينها الجميلتين لعينيه:

— كنت فاكرة إن الفقر والقرف في المكان يا شاهين.. بس اكتشفت إن القهر كان في القلوب الهشّة. والنهاردة، أنا رجعت لأحلى مكان في الدنيا.. لأنك فيه.

مسك شاهين يدها ورفعها أمام الجميع وقبلها بكل احترام وحب:

— وأنا بنيت القصور دي كلها عشان أثبت للعالم إن عشقي ليكي ما كانش وهم.. أنتي الدكتورة أزل، وأنا شاهين اللي بيتنفّس بوجودك.

عزفت الموسيقى، وعلت الضحكات في أرجاء المكان، وضاعت سنوات الوجع والخمسة عشر عاماً من الغربة والعذاب، لتبدأ من جديد قصة حبهما الأبدي.. القصة التي صمدت في وجه القسوة والفقر والطمع، لتثبت أن الحب الصادق والنخوة لا يموتان مهما طال الزمان.

 

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى