Uncategorized

١٨ سنه حكايات اسما السيد 3

— عدنان مش هيسكت يا شاهين.. الراجل ده طماع، وفريدة وراه بتحركه.. الفلوس والشركات في الخليج عمياهم، وهم شايفين إن آدم هو العقبة الوحيدة عشان يسيطروا على كل حاجة.

ابتسم شاهين ابتسامة ثقة صلبة، ورفع يده ليشير نحو أفق القرية:

مقالات ذات صلة

— خليهم يجربوا.. عدنان ورقة محروقة، وأنا أمرت مكتبي القانوني في القاهرة وبيروت يفتحوا ملفات شركاته كلها. خلال ٤٨ ساعة، هيبقى مشغول يدافع عن نفسه قدام قضايا التهرب والديون اللي عليه، ومش هيفضى حتى يفكر في اسم آدم.. اطمني خالص.

في تلك اللحظة، فتح باب المنزل الرئيسي ببطء، وظهرت أم أزل جالسة على كرسيها المتحرك، تدفعها الممرضة الخاصة بها. كانت السيدة قد أخذت منها السنون أخذها؛ انحنى ظهرها وذبُلت ملامحها القاسية، لكن نظرات عينها كانت ما تزال تحمل تلك العزة والجفاف القديم.

توقفت عينا الأم على شاهين.. تمعنت فيه لثوانٍ طويلة، تقرأ ملامح الرجل الفارع، ببدلته الفاخرة وهيبته التي تملا الشارع. لم تكن بحاجة لمن يسألها؛ عرفته فوراً. إنه “ابن دلال السحارة”.. الشاب الفقير الذي طردته من بيتها كالمقعد وصاحت في وجهه يوماً: “ملقتيش غير الكحيان ده؟”.

توقفت حركة الشارع تماماً، وساد صمت ثقيل كالجبال بين الثلاثة.

تقدم شاهين ببطء نحو الكرسي المتحرك، ولم تكن خطواته تحمل تشفياً أو انتقاماً، بل كانت تمشي بهيبة رجل أثبت للزمان وللناس أنه أكبر من كل إهانة. وقف أمام العجوز ونظر إليها من الأعلى، بينما كانت هي ترفع رأسها بصعوبة لتقابل عينيه.

— مساؤك بالخير يا أم أزل.. قالها شاهين بصوت هادئ عميق نزل كالصاعقة على مسامعها.

ارتجفت شفتا الأم الباهتتان، وتحسست يدها المرتعشة طرف غطائها، ثم نطقت بصوت خفيض مبحوح:

— شاهين..؟

— أيوه.. شاهين. قالها وهو يستند بيده على سور الدرج. — البشمهندس شاهين عبد الرحيم.. اللي كنتِ بتسميه الكحيان، وبتطرُديه من غيطكم عشان ما عندوش بيت ولا قرش.

تجمعت الدموع في عيني أزل، وخافت أن تتأزم الأمور، فتقدمت مسرعة:

— شاهين.. أرجوك، أمي تعبانة وما بتحملش..

رفع شاهين يده بهدوء ليوقف أزل دون أن يرفع عينيه عن وجه العجوز:

— سيبيني أتكلم يا أزل.. ده كلام متأجل من ١٥ سنة.

نظر شاهين إلى الأم العاجزة وقال ونبرته تحمل أسى السنين:

— أنتي بعتي بنتك يا حاجّة عشان الفلوس.. كسرتي قلبها وكسرتي قلبي، وجوزتيها لرجل أدّك عشان العز و”بيت الخليج”. فاكرة إن الفلوس هي الأمان؟ أهو مراد مات وسابها، والفلوس بقت نقمة وطمع من القرايب، والصحة اللي كنتي بتتفاخري بيها راحت.. والنهارده، اللي واقف يحمي بنتك ويصون شرفها وابنها من أطماع عيلتها.. هو نفس “الكحيان” اللي رفضتيه.

طأطأت الأم رأسها في خزي عميق. كانت كلماته كسهام مسمومة تجرح كبرياءها المتبقي، ولم تجد حجة تدافع بها عن نفسها. رأت أمامها أميراً بقميصه الأبيض وساعته السوداء، بريق نفوذه يملأ المكان، بينما هي محبوسة في جسد متهالك وكرسي متحرك.

دمعت عين العجوز، ونطقت بنبرة انكسار لأول مرة في حياتها:

— أنا.. أنا كنت فاكرة إني بأمن مستقبلاها يا بني.. كنت خايفة عليها من الفقر والبهدلة..

رد شاهين بصلابة ونبرة حاسمة:

— الأمان في الراجل اللي يصون، مش في القرش اللي يباع ويشترى بيه البني آدمين.. أنتي حرمتيني منها وعشتي في وهم، بس ربنا رد الحق لأصحابه. وأنا ما رجعتش عشان أشمُت فيكي.. أنا رجعت عشان أقولك إن أزل حقتي، وهتاخد حريتها وكرامتها اللي أتعصرت تحت رجليكي زمان.

ثم التفت شاهين إلى أزل، وتبدلت ملامحه القاسية إلى حنان جارف، ومد يده يمسك أناملها أمام عين أمها:

— أنا ماشي دلوقتي يا أزل.. وبكرة عندي اجتماع في القاهرة عشان أنهي موضوع شركات عدنان نهائياً. رجوعي هيكون بليل.. واعملي حسابك، الجولة الجاية مش هتبقى في المستشفى ولا في الشارع.. الجولة الجاية هتبقى عشان نرجع اللي ضاع منا.

نظرت إليه أزل، وشعرت لأول مرة منذ أربعة عشر عاماً أن الأمان ليس مجرد كلمة في كتب النفس، بل هو رجل يقف كالجبل في ظهرها.

— توصل بالسلامة يا شاهين.. قالتها بصوت دافئ يخرج من أعماق قلبها.

ابتسم شاهين ابتسامة خفيفة، ثم التفت وركب سيارته السوداء التي انطلقت تسابق الرياح في عتمة الليل، مخلفة وراءها ضوءاً ساطعاً يضيء عتمة سنوات أزل الخالية.

دخلت أزل إلى البيت تسبق أمها، وجلست في الصالون الكبير. كان آدم يجلس يراجع دروسه، بينما اقتربت الممرضة بدفع الأم التي كانت تبكي بصوت مكتوم.

أشارت الأم لابنتها بصوت مرتعش:

— أزل.. تعالي يا بنتي..

جلست أزل بجانب كرسي أمها، ونظرت إليها بهدوء:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى