
هشام دخل بثقة وقدم الأوراق للضابط النبطشي، وشرح له الوضع بالكامل:
— يا فندم، الموكلة الأستاذة نهى هي المالك الوحيد للبيت، والأب (سامح) مالوش أي صفة ملكية. الجدة وأقارب الأب قاموا باستغلال غياب الأم ونقلوا القاصر بدون موافقتها لمكان عمل غير قانوني لقاصر في هذا السن، وده يعاقب عليه قانون الطفل وقانون العقوبات تحت بند الاتجار بالبشر وتعريض طفل للخطر.
-
الشهر التاسع حكايات رومانى مكرم 2منذ ساعتين
-
الشهر التاسع حكايات رومانى مكرم 1منذ ساعتين
-
حكايات رشا خالد 2منذ 4 ساعات
-
حكايات زهره 2منذ 5 ساعات
الضابط أول ما شاف الأوراق وسمع الشرح الجاد والمستندات الرسمية، اتغيرت نبرته تمامًا وصار أكثر حزمًا مع سامح وأمه.
وجه كلامه لحماتي:
— قدامك 10 دقائق تدينا العنوان التفصيلي للمكان اللي البنت فيه وأسم صاحب المصنع، وإلا هيتم تحرير محضر خطف وتسهيل تشغيل قاصر، وهتبيتوا كلكم في الحجز للصبح!
حماتي لما حسّت إن الموضوع بجد وإن السجن بقى قريب منها، انهارت وبدأت تعيط وتطلع الموبايل:
— خلاص خلاص يا باشا! المصنع اسمه “البركة للنسيج” في المنطقة الصناعية، وصاحبه الأسطى معوض.. والله أنا كنت فاكرة إني بربيها وبخليها تعتمد على نفسها!
أستاذ هشام المحامي بص للضابط وقال:
— نطلب قوة فورية للانتقال للموقع واسترجاع القاصر، والتحفظ على صاحب المصنع بتهمة تشغيل قاصر بدون ترخيص وبدون موافقة ولي الأمر الشرعي.
الضابط طلع قوة فورية مع عربية شرطة، وأنا أصرّيت أروح معاهم بنفسي. سامح حاول يجي معانا، لكن الضابط أمره يقعد في القسم تحت التحفظ هو وأمه وأخوه لحد ما البنت ترجع ونشوف حالتها الصحيحة.
طول الطريق للمنطقة الصناعية، كان قلبي بيلف ويرجع، الأفكار كانت بتاكل في دماغي: يا ترى ملك عاملة إيه؟ هل خايفة؟ هل اتأذت؟ يا ترى شكلها إيه وهي المحبوسة في مكان زي ده عشان شوية ناس طماعين حاقدين؟
وصلنا المنطقة الصناعية بعد نص ساعة. كانت منطقة مظلمة، ومصانع قديمة وورش بتطلع أدخنة وصوت الماكينات عالي رغم أوقات الليل. عربية الشرطة وقفت قدام هنجر كبير مكتوب عليه بلفتة قديمة “مصنع البركة”.
الشرطة دخلت الهنجر، وأنا جريت وراهم.
المكان كان حار جدًا، ريحة الغبار والأنسجة تخنق، وماكينات الخياطة والغزل شغالين بأصوات مرعبة. وسط العمال اللي كانوا شغالين ووشوشهم مجهدة، لمحتها…
ملك.
بنتي كانت قاعدة على كرسى خشب مكسور، قدام ماكينة خياطة كبيرة، إيدها الصغيرة كانت بتترعش وهي بتحاول تمسك القماش، ووشها كان مليان تراب وعينها أحمر من الدموع والتعب. كانت لابسة نفس الهدوم اللي كانت لابساها لما سبتها في البيت.
أول ما شافتي، الملك وقفت والدموع انهمرت من عينها وصصرخت بصوت متقطع:
— ماما!!
جريت عليها وحضنتها بكل قوتي. البنت اترمت في حضني وهي بتترعش زي العصفور البلول، بتعيط بانهيار وتستنجد بي:
— ماما.. أرجوكِ خذيني من هنا! تيتا طردتني من أوضتي وقالت لي أنتِ ماليش قيمة، وأخذت تليفوني وجابتني هنا غصب عني.. أنا خايفة يا ماما!
مسحت دموعها وأنا بضمها لصدري وبقولها بصوت مخنوق بالدموع والغضب:
— خلاص يا حبيبتي.. ماما هنا.. محدش هيقدر يلمسك تاني.. خلاص الكابوس ده انتهى.
صاحب المصنع، راجل كبّارة بكرش ووش صارم، جه يجري وهو خايف لما شاف الشرطة:
— فيه إيه يا باشا؟ خير؟ المصنع مرخص!
الضابط قرب منه وقاله بحزم:
— أنت مقبوض عليك بتهمة تشغيل قاصر بدون سن العمل القانوني وبدون موافقة ولي الأمر، وتحت ظروف غير إنسانية.
الراجل اتلجلج وقال:
— والله يا باشا جدتها هي اللي جابتهالي وقالت لي دي بنتنا وعايزين ننشف عودها ونعلمها المسؤولية، وقبضتني عربون شغلها!
لما سمعت الجملة دي، حسيت بنار ولعت في قلبي.. حماتي مش بس بعتت بنتي، دي كمان أخدت فلوس مقابل تشغيلها!
مسكت إيد ملك وقوّمتها، وبصيت لصاحب المصنع وللضابط وقلت:
— كل جنيه اتأخد، وكل ثانية بنتي قضتها هنا، هتدفعوا ثمنها غالي أوي بالقانون.
رجعنا للقسم. ملك كانت ماسكة في إيدي ورافضة تسيبني ولا لحظة. أول ما دخلنا صالة القسم، حماتي وسامح وأخوه شافونا. سامح أول ما شاف ملك جري عليها وقال:
— ملك حبيبتي.. أنتِ كويسة؟
ملك استخبت ورايا فورًا وبصت لأبوها بنظرة كره وخوف عمري ما شفتها في عينها قبل كده وقالت له:
— ما تلمسنيش يا بابا! أنت بعتني عشان خاطرهم.. أنت مش بابا!
كلمة ملك نزل على سامح زي الصدمة، وشه اتغير وبصلي وهو مش قادر ينطق.
حماتي حاولت تدعي البراءة وقالت:
— الحمد لله إنك رجعتِ يا ملك يا حبيبتي.. أهو أديكِ عرفتِ قسوة الحياة عشان لما تكبري…
قطعت كلامها بصوت عالي هز صالة القسم كلها:
— اسكتِ! ولا كلمة أصلًا! أنتِ ست معندكيش أي رحمة ولا ضمير! بعتِ بنتي القاصر وخبيتي مكانها وأخدتِ فلوس كمان فوقيها عشان تفضي البيت لأبنك ومراته!
أستاذ هشام المحامي قدم للضابط تقرير أولي عن حالة البنت النفسية والتعب الظاهر عليها، وطلب تقييد البلاغ رسميًا بتهم الاتجار بالبشر، والتعدي على قاصر، والابتزاز.
الضابط بص لسامح وأمه وقال:
— المحضر يتثبت دلوقتي، والأقوال تتسجل.. والنيابة هي اللي هتحقق في المهزلة دي الصبح.
سامح جه ناحيتي وهو بيترجاني بصوت واطي:
— نهى.. عشان خاطري تنازلي عن المحضر.. أمي ست كبيرة مش هتحتمل الحجز، وأنا أوعدك هخرجهم من البيت فورًا وهعمل كل اللي تقوليه!
بصيت لسامح بكل ازدراء وقلت له:
— التأخير جه متأخر أوي يا سامح. أنت اخترت عيلتك على حساب بنتك وبيتك.. ودلوقتي دورك تشرب من نفس الكأس.
أستاذ هشام طعن فورًا بطلب طلاق للضرر مع حرمان الأب من الولاية وتطبيق عقد ما قبل الزواج بالكامل.
الشرطة حجزت حماتي وصاحب المصنع للتحقيق الصباحي، بينما سامح وأخوه فضلا واقفين في صالة القسم مش عارفين يعملوا إيه، كل أحلامهم في استغلال بيتي ومالي تحطمت في ليلة واحدة.
أخدت ملك في حضني وخرجنا من القسم. كانت الشمس بدأت تشرق. بصيت لملك وقلت لها:
— البيت اللي حاولو ياخدوه منك، مش هيدخلوه تاني.. وحقك هيجي لحد عندك.
ملك بصتلي وابتسمت ابتسامة خفيفة وسط دموعها وقالت:
— أنا بحبك يا ماما.. شكراً إنك أنقذتيني.
أخدتها وركبنا العربية، وروحنا على البيت.. بس المرة دي، البيت مش هيبقى الملاذ لسامح وعيلته، المرة دي البيت هيرجع لينا إحنا وبس، تمهيدًا لبيع كل حاجة وبداية حياة جديدة نضيفة بعيد عنهم للابد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”







