روايات وقصص

سابها حكايات رومانى مكرم 1

ندى فتحت عينيها بصعوبة، وقالت آخر جملة قبل ما تغيب عن الوعي:

— اللواء أحمد عبدالرحمن… بابا… هو هيعرف يتصرف…

وبعدها…

الدنيا كلها اسودت قدام عينيها.إذا حبيت، أقدر أكمل باقي القصة بنفس الأسلوب المصري الشعبي وبنفس مستوى التشويق.و

الجزء الثاني:

على السلم، كان المسعف بيجري وهو شايل ندى على النقالة، وزميله بيتكلم في اللاسلكي مع طوارئ مستشفى الدمرداش: “حالة ولادة حرجة، انفصال مشيمة ونزيف حاد، الضغط مش مسموع، جهزوا أوضة العمليات فورًا وبنك الدم”. في نفس اللحظة، كان المسعف التاني بيطلع تليفون ندى اللي كله دم، ودور في قائمة الأسماء لحد ما لقى “بابا حبيبي”.. داس اتصال والخط فتح من تاني جرس.

جاء صوت حازم وقور، فيه هيبة السنين والمناصب:

— السلام عليكم.. أيوة يا ندى يا بنتي.

المسعف أخد نفس طويل وقال بسرعة:

— معاليك أنا مسعف.. صاحبة التليفون المدام ندى أحمد عبد الرحمن في حالة حرجة جدًا، نزيف ولادة وانفصال مشيمة، وإحنا حاليًا في الطريق لمستشفى الدمرداش.

الناحية التانية، التليفون كان هيقع من إيد اللواء أحمد عبد الرحمن. الراجل اللي قاد عمليات وواجه أزمات هزت بلد، حس إن رجليه مش شايلاه. مفيش ثانية واحدة ضاعت، صوت نبرته اتحول لـ “أمر عمليات”:

— مسافة السكة.. خمس دقايق وهكون هناك. قفل الخط وكلم السائق بتاعه وصوته بيرتعش لأول مرة: “اطلع على الدمرداش بأقصى سرعة يا ابني.. بنتي بتموت”.

في نفس الوقت ده، كانت قاعة الحفلات في التجمع الخامس منورة، وصوت الأغاني عالي، والحاجة سهير واقفة في وسط المعازيم بفستانها الدهبي، بتستقبل التهاني بمناسبة عيد ميلادها الستين. كريم كان واقف جنبها، ماسك كباية العصير وبيضحك، وكل شوية يلمس تليفونه في جيبه.. الشاشة بتنور “32 مكالمة فائتة من ندى”، ووراها رسائل صوتية. كريم اتنحنح وبص للموبايل وقال في نفسه بضيق: “برضه بتدلع عشان تبوظ الليلة.. مش هرد عليكي يا ندى لما أرجعلك”.

أمه لفت وشها ليه وقالت بنبرة فيها كبرياء:

— منور يا كيمو يا حبيبي.. سيبك من التليفون وخليك معايا، الناس كلها بتبص عليك.. أمال فين المحامية بتاعتك؟ مجتش ليه؟

كريم ابتسم بتكلف وقال:

— تعبانة شوية يا أمي في البيت.. سيبك منها دلوقتي، المهم اتبسطي إنتي.

في المستشفى، كانت الممرات بتشهد حالة طوارئ مش طبيعية. ندى دخلت أوضة العمليات، والدكتورة دينا فؤاد استدعوها من بيتها وجت بتجري. النزيف كان شديد وضغط ندى واطي جدًا، لدرجة إن ضربات قلب الجنين بدأت تقل. الدكتورة صرخت في الممرضين: “بسرعة.. بنك الدم يبعت فصيلة (O-) فورًا.. لازم نفتح حالا عشان ننقذ الطفل والأم”.

بعد عشر دقائق، وصل اللواء أحمد عبد الرحمن. دخل المستشفى بهيبته، وراه طقم الحراسة بتاعه، ووشه خالي تمامًا من التعبيرات، لكن عينيه كان فيها شرار. سأل عن أوضة العمليات وطلع جري. وقف قدام الباب، لقى المسعف اللي جابها لسه واقف، وفي إيده تليفون ندى المحطم وعليه آثار الدم.

اللواء أحمد قرب من المسعف، أخد منه التليفون، وبص للبقع الحمراء اللي عليه، وسأل بصوت متحشرج:

— جوزها فين؟ كريم الشناوي فين؟

المسعف طأطأ راسه وقال بخوف:

— يا فندم، إحنا لما دخلنا  كانت لوحدها تمامًا..  كانت مقفولة وهي كانت زاحفة لحد الباب، ومكنش معاها أي حد.

الكلمة نزلت على اللواء أحمد كأنها طلقة. بنته.. محاميته الناجحة، الطفلة اللي كبرها على الغالي، تتساب بتموت في بركة دم لوحدها عشان جوزها يروح حفلة؟ مسك تليفونه وطلب رقم كريم.

في القاعة، التليفون رن في جيب كريم.. شاف اسم “حمايا اللواء أحمد”.. كريم حس بقرصة في قلبه، وطلع برة القاعة بسرعة ورد بصوت مهذب:

— أيوة يا سيادة اللواء.. مساء الخير.

صوت اللواء أحمد كان هادي.. هدوء ما قبل العاصفة الـمُدمرة:

— إنت فين يا كريم؟

كريم ارتبك وقال:

— أنا.. أنا في مشوار تبع الشغل بسرعة كدة وراجع البيت عل طول.. ندى كويسة؟

اللواء أحمد قفل الخط من غير ما يرد. وبص للحرس بتوعه وقال بلهجة حاسمة: “هاتولي كريم الشناوي من تحت الأرض.. دلوقتي حالا”.

جوة أوضة العمليات، كانت المعركة حامية. الدكتورة دينا فؤاد عرقت وهي بتحاول توقف النزيف، والطفل اتولد.. صرخة ضعيفة جدًا طلعت منه، والممرضة جرت بيه على حضانة الأطفال المبتسرين لأن حالته كانت غير مستقرة بسبب نقص الأكسجين. لكن المشكلة الأكبر كانت في ندى.. قلبها وقف لمدة دقيقة كاملة.

الدكتورة بدأت تعمل إنعاش قلبي رئوي يدوي: “واحد.. اتنين.. تلاتة.. اضربي الصدمات الكهربائية بسرعة!”.

اللواء أحمد من برة كان سامع صوت الأجهزة وهي بتصفر صفرة مستمرة.. صفرة توقف القلب. حط راسه على الحيطة ودموعه نزلت لأول مرة من سنين، ودعى ربنا: “يارب.. خد من عمري واديها.. مليش غيرها يا رب”.

بعد نص ساعة من الرعب، طلعت الدكتورة دينا ووشها شاحب. اللواء أحمد جرى عليها:

— بنتي يا دينا؟ بنتي جرى لها إيه؟

الدكتورة دينا تنهدت وقالت:

— الحمد لله.. رجعنا النبض، ودخلت في غيبوبة مؤقتة بسبب نقص الدم الحاد.. الطفل حاليًا في الحضانة تحت الملاحظة، بس الوضع لسه حرج جدًا يا فندم.. الساعات الـ 48 اللي جايين هما اللي هيحددوا كل حاجة.

مرت الليلة، وكريم رجع البيت الفجر بعد ما الحفلة خلصت. دخل ، لقى النور منور، وبص على الأرض.. اتصدم لما شاف بقع الدم الناشفة على السيراميك، وإزاز الكباية المكسور، وأثر زحف ندى لحد الباب. كريم ركبه سابت.. تليفونه رن، كان رقم غريب.. رد بسرعة وصوته بيرتعش:

— أيوة.. مين؟

جاء صوت راجل ناشف:

— كريم الشناوي؟ ابنك في حضانة مستشفى الدمرداش.. ومرتك بين الحيا والموت. لو راجل فكر تقرب من المستشفى. وقفل الخط.

كريم جاله هبوط، قعد على الكرسي ومش مستوعب حجم الكارثة اللي عملها.. الخوف تملكه، وخاف يروح المستشفى يواجه اللواء أحمد. فضل مستخبي في شقة أمه لمدة يومين.. يومين كاملين وتليفونه مقفول، وأمه تقوله: “يا بني سيبك منهم، تلاقيهم بيمثلوا عشان يلووا دراعك.. بكره ترجع زاحفة”.

بعد يومين.. يومين بالتمام والكمال، كريم حس إن الأمور ممكن تكون هديت، أو إن ندى قامت بالسلامة وهيعرف يتصرف. لبس هدومه ونزل وهو ناوي يروح المستشفى ياخد ابنه ويمشي، أو يروح شقته في مدينة نصر الأول يشوف الوضع.

أول ما وصل قدام عمارته في مدينة نصر.. العربية بتاعته وقفت فجأة.

كريم فتح عينه على آخرهم، والدم هرب من وشه.

قدام مدخل العمارة.. كانت واقفة عربيتين جيب عسكريين باللون الزيتي، وعدد من جنود وضباط القوات المسلحة واقفين بسلاحهم الميري، ومطوقين المدخل تمامًا، والناس في الشارع واقفة بتتفرج في رعب وزهول.

كريم نزل من عربيته ورجليه بتخبط في بعضها، وبدأ يقرب بخطوات مرعوبة.. أول ما العساكر شافوه، الظابط الكبير شاور عليه وقال بنبرة هزت الشارع كله:

— هو ده.. اقبضوا عليه!

في ثوانٍ معدودة، كان كريم متثبت مكانه، دراعاته ملوية ورا ضهره، وكلبش حديد بارد بيقفل على معصمه بعنف. حاول يصرخ، صوته طلع مخنوق ومرعوب وسط نظرات سكان العمارة والمنطقة اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليه بذهول:

— في إيه؟ إنتوا واخديني على فين؟ أنا معملتش حاجة! أنا رايح المستشفى لمراتي وابني!

الضابط ما ردش عليه بكلمة واحدة، وبإشارة حاسمة من إيده، العساكر زقوا كريم جوة ظهر العربية الجيب العسكرية، وقفلت الأبواب وراهم بقوة سدت النور عن عينه. العربية مشيت بأقصى سرعة، وجواها كريم كان بيترعش بالكامل، عرق الخوف مغرقه، والندم والعبث اللي عمله بدأ يظهر قدام عينه زي شريط سينما.. افتكر ضحكته الباردة وهي بتقع على الإزاز، وافتكر جملة أمه: “بيمثلوا عشان يلووا دراعك”.

بعد مسافة سكة مكنش عارف هي قد إيه، العربية وقفت. الباب اتفتح، وزقوه برة لقى نفسه في ممر طويل ونظيف جدًا، في نهايته باب خشبي ضخم. العساكر مشيوا بيه لحد الباب، والضابط خبط ودخل، وزق كريم جوة.

كريم رفع عينه.. الأوضة كانت مكتب فخم وهادي، وفي آخر المكتب كان واقف اللواء أحمد عبد الرحمن ببدلته العسكرية كاملة، مدي ضهره للباب وبيبص من الشباك الكبير على الجنينة برة. هدوء المكتب كان مرعب أكتر من صوت السلاح.

الضابط أدى التحية العسكرية وقال:

— تمام يا فندم، المتهم كريم الشناوي موجود.

اللواء أحمد ما لفش وشه، شاور بإيده للضابط:

— اتفضل إنت يا ابني، وسيبنا لوحدنا.

الباب اتقفل، وفضل كريم واقف، الكلبش في إيده، ورجليه مش شايلينه. قال بصوت منهار وبيترعش:

— سيادة اللواء.. أنا.. أنا والله ما كان قصدي.. أنا افتكرتها تعب عمالي زي كل مرة.. أنا كنت في مشوار ضروري وجيت عل طول.. ندى عامله إيه؟ وابني فين؟

اللواء أحمد لف ببطء شديد. وشه كان زي الصخر، مفيش فيه أي تعبير، لكن عينيه كان فيها نظرة تذبح. مشي بخطوات بطيئة ووقورة لحد ما وقف قدام كريم مباشرة، المسافة بينهم مكنتش تكمل نص متر. بص في عين كريم وقال بنبرة واضحة، حادة، وكل كلمة فيها بتنزل زي المطرقة:

— ندى في غيبوبة.. بقالها 48 ساعة على الأجهزة، بين الحياة .. والدكاترة مش عارفين هتقوم منها ولا المخ اتأثر بنقص الأكسجين والدم. وابنك.. ابنك نزل برئة مش مكتملة، وقاعد في الحضانة تحت خراطيم الأجهزة عشان يتنفس.. ده كله وإنت فين؟ وإنت نايم في حضن أمك بتدارى زي الفأر بقالك يومين وتليفونك مقفول!

كريم نزلت دموعه وبدأ يبرر وهو بينهار:

— أنا خفت.. خفت من حضرتك.. والدم في الشقة رعبني.. أنا والله بحب ندى ومستعد أعمل أي حاجة.. أرجوك يا سيادة اللواء..

قبل ما يكمل كلمته، اللواء أحمد رفع إيده وبمنتهى القوة ضربه قلم على وشه هز كيانه كله، القلم سمّع في الأوضة الواسعة. كريم اترمى لورا وسند على الحيطة وهو بيبكي بنشيج مكتوم.

اللواء أحمد صوته علي لأول مرة، وبان فيه وجع الأب المكسور على بنته الوحيدة:

— حب؟ إنت تعرف إيه عن الحب يا دكر؟ الست اللي تتوجع وتموت في مطبخها وتسيب وراها أثر دم وهي بتزحف عشان تحمي ابنك، وإنت خارج متشيك وحاطط برفانك عشان رايح حفلة؟ بنتي أنا.. اللي كانت رافضة تتجوز أي حد عشان تبني بيت وتعمل عيلة مع راجل يصونها، تتساب زي الكلب في شقة مقفولة؟

اللواء أحمد رجع لورا وقعد ورا مكتبه، أخد نفس طويل، ورجعت ملامحه للبرود القاتل تاني، وقال:

— إنت فاكرني جايبك هنا عشان أنتقم منك عسكريًا؟ ولا فاكر إني هقتلك؟ لاء يا كريم.. أنا راجل قانون قبل ما أكون راجل جيش. إنت جايبك هنا عشان ندى.. ندى وهي بتغيب عن الوعي، مأمنتش حد غيري، وقالت للمسعف “بابا هيعرف يتصرف”.. وأنا هعرف أتصرف يا كريم، بس بالقانون اللي مراتي وبنتي المحامية علموهوني.

اللواء أحمد فتح درج المكتب وطلع ملف وحطه قدامه:

— المحضر اللي معمولك دلوقتي في النيابة بتهمة الإهمال الجسيم المؤدي إلى خطر الموت، والامتناع عن مساعدة شخص في حالة خطر.. ده غير قضية جنائية تانية برفعها عليك حالًا بحق الجنين. إنت مش هتشوف الشارع يا كريم.. وكل دقيقة بنتي عاشتها في الرعب والوجع على بلاط المطبخ، هتدفع تمنها أيام وسنين جوة الزنزانة.

كريم صرخ وهو بيبوس إيد اللواء أحمد من بعيد:

— أبوس رجلك يا فندم بلاش مستقبلي.. بلاش السجن.. أنا هعيش تحت رجليها بس تقوم بالسلامة.

اللواء أحمد داس على جرس المكتب، الباب اتفتح ودخل الضابط ومعاه عسكريين. اللواء أحمد قال وهو مش بيبص لكريم أصلاً:

— خلوه يدوق حيطان الحجز لحد ما النيابة تطلبه الصبح.. ومش عايز اسمع صوته.

العساكر سحبوا كريم وهو بيصرخ ويبكي، ورجليه بتتسحل على الأرض.. في نفس اللحظة دي، في مستشفى الدمرداش، وتحديدًا في أوضة العناية المركزة.. الأجهزة الموصلة بجسم ندى بدأت تطلع أصوات غريبة، ومؤشر ضربات القلب بدأ يتحرك بشكل عشوائي وسريع.. الممرضة جرت على برة وهي بتصرخ: “دكتورة دينا.. الحقي حالة ندى عبد الرحمن.. الضغط بيقع والنبض بيضيع!”.للمذيد من القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم للقصص الكامله

الجزء الرابع:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى