
“كريمة؟! أنتي بتعملي إيه هنا؟” علاء صرخ بصوت مهزوز وهو بيحاول يداري ارتباكه.
رئيس مجلس الإدارة، الأستاذ طارق، وقف مستغرب: “فيه إيه يا علاء بيه؟ مين المدام؟”
قربت من الطاولة وحطيت ملف الأوراق الرسمية قدام الأستاذ طارق وقلت بهدوء تام: “أنا كريمة الألفي.. المالك الجديد للعمارة بالكامل، وصاحبة أصول الديون اللي على شركتكم لشركة ‘توفيق العقارية’. وجاية أبلغكم رسميًا إن عقد الإيجار للأدوار دي غير قابل للتجديد، وأمامكم مهلة أسبوع واحد للإخلاء الشامل، أو دفع مبلغ 5 ملايين جنيه كقيمة إيجارية جديدة وتأمينات مسبقة.”
الرئيس اتصدم وبص لـ علاء بغضب عارم: “إيه الكلام ده يا علاء؟ مش أنت قلت إن المالك صاحب عمك وإن الأمور مستقرة ومفيش أي تغيير في الشروط؟!”
علاء بلع ريق بالعافية وقرب مني وهو بيوشوشني بصوت واطي ومحروق: “كريمة.. ارجوكي بلاش الشغل ده هنا! دي سمعتي وأكلي عيشي! عاوزة تنتقمي مني انتقمي في البيت، بلاش تدمريني قدام الناس!”
بصيتله ببرود وقلت بصوت عالي سمّع كل أعضاء المجلس: “أكلك عيشك؟ أنت نسيت أكلك عيشك لما دخلت سعاد الصالون في غيابي؟ أنت نسيت سمعتك لما خنتني وخنت أخوك في بيتك؟”
الهمسات بدأت تعلى في القاعة، وأعضاء المجلس بدأوا يبصوا لبعض بدهشة وقرف. رئيس مجلس الإدارة ضرب الطاولة بإيده وقال بغضب شديد: “أستاذ علاء! إحنا شركة محترمة ولها اسمها في السوق! مش هنسمح بإن أزماتك الشخصية وقضاياك الأخلاقية تعطل عمل الشركة أو تحطنا في موقف قانوني حرج زي ده! أتفضل برة الاجتماع فورًا، وحسابك معايا في المكتب بعد نص ساعة!”
علاء كان هيتجنن، عينيه كانت بتطلع شرار، يبصلي بكراهية مرعبة، بس ما قدرش ينطق بكلمة واحدة قدام مديره. خرج من القاعة وهو بيجر رجليه، وأنا وقفت مع الأستاذ طارق والتنفيذيين أطلب منهم مراجعة العقود وتوقيع اتفاقية إخلال مبدئية إذا ما دفعوش.
بعد ما خرجت من الشركة، وقفت في الشارع وأنا باخد نفسي. حسيت بانتصار مؤقت، بس العاصفة الكبيرة كانت لسة جاية.
تليفوني رن، المرة دي كان ‘سامح’ أخو علاء وجوز سعاد. رديت عليه بصوت ثري ومستقر.
“كريمة! أنتي فين؟” سامح كان بيصرخ في التليفون وصوته ملغوم بالضبابة والغضب: “سعاد عمالة تعيط وتقول إنك جايبة محامين ورافع قضايا تزوير على المكتب بتاعها، وعلاء كلمني وهو هيتجنن وبيقول إنك طردتيه من الشركة وخربتي بيته! إيه اللي بيحصل يا بنت الناس؟ أنتي اتجننتي بعد ما ورثتي الفلوس؟”
ضحكت ضحكة قصيرة وسافلة وقلت له: “أهلاً يا سامح.. أنت طبعًا أخر من يعلم كالعادة. سعاد مرتك وعلاء أخوك كانوا بيعملوا إيه في صالون بيتي امبارح الصبح وأنا في الإسكندرية؟”
الصمت خيم على الناحية التانية من الخط. سامح أنفاسه بقت ثقيلة وصوت بلع ريقه كان واضح: “يعني إيه؟ أنتي بتقولي إيه يا كريمة؟”
“بقولك إن سعاد مرتك المصونة وعلاء أخوك سندك، كانوا في حضن بعض في صالون شقتي، ولما واجهتهم، علاء كان عاوز يطردني أنا وابني في الشارع ويقولي دوُقي عيشة الفقر. بس للأسف الشديد يا سامح، الفقر ده هو اللي هيدوقوه هما الاتنين من النهاردة. وسعاد مرتك مزورة عقود مكتبها وبتاكل حق عمي بقالها سنين.”
“أنتي.. أنتي بتتكلمي جد؟ سعاد وعلاء؟!” سامح صوته اتغير تمامًا، بقى فيه نبرة انكسار وغضب أعمى.
“روح لمرتك وسألها يا سامح.. وخليها توريك الكاميرات لو هي أجدع منك، أو تعالالي الفندق وأنا أوريك تسجيل صوتي صغير من اللي سجلته بالصدفة وأنا داخلة الشقة.”
قفلت السكة في وش سامح. أنا فعلاً ماكنتش سجلت فيديو، بس سجلت صوت صغير على الموبايل من أول ما فتحت الباب وسعاد بتضحك وعلاء بيقولي “دوقي عيشة الفقر”. الصوت كان كفيل يهد أي بيت ويبين القذارة اللي كانت دايرة.
على الساعة أربعة العصر، كنت قاعدة في كافيه هادي بالقرب من الفندق، بتناقش مع المحامي في نقل ملكية العمارة وكتابتها باسم يوسف ابني مع وضع حراسة قانونية مني لحد ما يبلغ السن القانوني. فجأة، لقيت سعاد داخلة الكافيه زي المجنونة، وشعرها منكوش ووشها باين عليه آثار ضرب أو شتايم حادة.
قربت من الطاولة بتاعتي وضربت شنطتها على الترابيزة بغل: “أنتي فاكرة نفسك مين يا كريمة؟ فاكرة إن الفلوس هتخليكي بني آدمة؟ أنتي طول عمرك خدامة في العيلة دي، وكنتِ بتسألي على عمك عشان طمعانة في فلوسه!”
بصيتلها ببرود ومن غير ما أقف من مكاني، ورشفت بقوة من فنجان القهوة وقلت: “الخدامة دي هي اللي بتمشي المقر اللي بتتسولي منه لقمة عيشك يا سعاد. وسامح جوزك عرف الحقيقة ولا لسة؟”
سعاد وجهها اتقلب أصفر وخافت، وقربت بصوت واطي مليان حقد: “سامح ضربني وطردني من البيت بسبب كلامك الفارغ! أنتي دمرتي بيتي!”
“أنا دمرت بيتك؟ ولا قذارتك أنتِ وعلاء هي اللي دمرته؟ أنتي نسيتِ لما كنتِ بتيجي تقعدي معايا بالساعات وتبيني إنك أختي، وأنتي عينك على جوزي وبيتي؟ أنتي أردأ من إنك تكوني ست.. وأنا مش هسيبك إلا وأنتي مفلسة وبتمشي في الشارع بتدوري على حديصرف عليكي.”
سعاد رفعت إيدها عشان تضربني بالقلم، بس المحامي وقف بسرعة ومسك إيدها بقوة: “الزمي حدودك يا مدام! المكان كله كاميرات، ولو لمستِ الموكلة، هحسبها اعتداء وتعدي وشروع في ضرب، وده هيضيف للقضايا اللي عليكِ قضية جنائية جديدة!”
سعاد نفضت إيدها بغضب ودموعها نزلت من العجز والحقد: “مش هسيبك يا كريمة.. وعلاء مش هيسيبك! إحنا هنرفع عليكِ قضية حجر، وهنثبت إنك غير مؤهلة عقليًا واستوليتِ على أملاك عمك بطرق غير قانونية!”
بتسمت وقلت بثقة: “حاولي.. بس قبل ما ترفعي القضية، خليه يجهز المليون وثمانمئة ألف بتوع فروق الإيجار، عشان المحكمة هتطلب سدادهم الأول قبل النظر في أي دعوى.”
سعاد جرت لبرة الكافيه وهي بتشتم وبتصرخ، وأنا قعدت مكاني وحسيت براحة غربية بتسري في جسمي. بس الراحة دي ما طولتش.
بعد ساعتين، التليفون رن تاني. المرة دي كان الرقم غريب. رديت: “ألو؟”
صوت علاء جه، بس المرة دي ماكانش صوته العالي المتبجح. كان صوته خافت، فيه نبرة خبيثة ورعب مكتوم: “كريمة.. أنتي فاكرة إنك كسبتي؟ أنتي ضيعتي كل حاجة، بس فيه حاجة واحدة أنتي نسيتيها.. يوسف مش في الفندق دلوقتي.”
قلبي اتخلع من مكانه، ووقفت فجأة من على الكرسي : “أنت بتقول إيه يا علاء؟! يوسف فين؟!”
ضحك علاء ضحكة مريضة وثقيلة عبر التليفون وقال: “يوسف معايا يا كريمة.. أخدته من النادي اللي كنتِ سايباه فيه مع الدادة. وبكره الصبح، لو الأوراق كلها ما اتغيرت تنازل كامل عن العقارات والشركات باسمي، ومش تنازل بس.. تنازل ورجوع للبيت تحت جزمتي.. ابنك مش هتشوفيه تاني.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




