روايات وقصص

وصلت البيت حكايات رومانى مكرم 1

ما رديتش عليه بكلمة واحدة. مسكت التليفون، وفتحت الميكروفون وسألت الأستاذ عادل بثبات وصوت مسموع للكل في الصالون: “أستاذ عادل، وضح لـ علاء بيه وسعاد هانم.. مين اللي اشترى كل الديون والمستحقات دي؟ ومين صاحب الشركة الجديدة اللي أصبحت تدين للكل؟”

صوت المحامي جه عبر السبيكر واضح وبارد زي المشرط: “يا كريمة هانم، المرحوم توفيق بيه كان كاتب بند في الوصية، إن كل الديون والرهونات اللي على عقاراته وشركاته تُسدد فورًا من الحساب الجاري المفتوح باسمك في بنك ناصر، وده تم فعليًا النهاردة الصبح الساعة تسعة. وحضرتك حاليًا الملكة والمالكة المباشرة لشركة ‘النيل للعقارات’ والمقرات الثلاثة اللي مأجراها شركة ‘الشهاب’ للهندسة—اللي بيشتغل فيها علاء بيه—غير المقر التجاري الخاص بمكتب ‘سعاد جروب’. ووفقًا للعقود الجديدة اللي اتجددت الشهر اللي فات بس، فيه بند فسخ تلقائي في حالة صدور أي إخلال بحقوق الملكية أو التأخر عن السداد، مع طرد فوري.”

الصالون غرق في صمت قاتل. الضحكة اللي كانت على وش سعاد جمدت، وبقت عاملة زي قناع شمعي بيسيح. علاء عينيه وسعت بشكل مرعب، ورجليه لمست الأرض بصعوبة وهو بيبص للتليفون وبعدين يبصلي، كان مش قادر يستوعب إن الست اللي كان فاكرها مسالمة وبتبكي على طول، بقت في ثواني بتمسك برقبة حياته ومستقبله.

قفلت التليفون في وش المحامي بهدوء، وحطيته في شنطتي. بَصيت لـ علاء وقلت بصوت واطي بس يخترق العظم: “عيشة الفقر اللي كنت عاوز تدوقهالي يا علاء؟ المقرات الثلاثة بتوع شركتك مأجورين مني، ومن بكرة الصبح فيه لجنة تثمين وإخلاء هتعدي على الشركة عشان تراجع العقود. وأنتي يا سعاد.. مكتبك العقاري اللي بتتباهي بيه قدام العيلة كلها، إيجاره متأخر ست شهور، والعقد باسم عمي توفيق، يعني باسمي أنا دلوقتي.”

سعاد بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تتكلم بنبرة فيها بقايا كبرياء: “أنتي بتتحدينا يا كريمة؟ أنتي فاكرة لما تورثي كام مليون هتقدري تقفي قدامنا؟ ده بيت عيلتنا، وعلاء جوزك والكلمة كلمته هنا!”

رديت عليها وأنا باخد خطوة لورا ناحية الباب: “البيت ده باسم علاء فعلاً.. بس المحل اللي تحت العمارة اللي هو فاتحه مع أخوه شراكة، الأرض بتاعته ملك عمي توفيق ضمن وقف العيلة. ومن بكرة الصبح، الوقف ده اتنقلت ملكيته ليا بالكامل. مش هطردك يا علاء من شقتك، خليك قاعد فيها وشبعان بيها.. بس هخليك تشوف شغلك ومستقبلك وشركتك بانهاروا حجر حجر قدام عينيك.”

علاء حاول يمسك إيدي بغضب: “كريمة! أنتي اتجننتي؟ أنتي عاوزة تخربي بيتنا عشان أوهام في دماغك؟ سعاد كانت بتساعدني في شغل ومستندات!”

سحبت إيدي بقوة وضربت كفي على صدره بعنف خلته يرجع لورا: “أوهام؟ لما أشوفك في الصالون مع مرت أخوك في وضع زبالة زي ده تقولي أوهام؟ أنتي وهي قذارة، وأنتم الاتنين تليقوا ببعض جدًا. بس ابننا مالوش ذنب يشوف القرف ده.”

نزلت السلم بسرعة، قلبي كان بيدق زي الطبولة، ومشاعري كانت متضاربة بين وجع الخيانة اللي بياكل في صدري، وبين نشوة القوة الجديدة اللي بقيت بملكها. أول ما فتحت باب العربية، كان ابني ‘يوسف’ قاعد بيلعب في الموبايل، بصلي وقال ببرود الأطفال: “ماما.. بابا جابلي السلسلة اللي كنت عاوزها، هو مش هيجي معانا؟”

حبست دموعي بالعافية، وقعدت جنبه على الكرسي وبست راسه: “لا يا حبيبي.. بابا عنده شغل كتير أوي الفترة الجاية، مش هيفضى خالص.”

شغلت العربية ومشيت. طوال الطريق للزمالك، حيث الفندق اللي حجزت فيه مؤقتًا لحد ما أجهز العمارة بتاعة المهندسين، كان تليفوني مابينقطش رن. علاء يتصل، وسعاد تتصل، وحتى ‘سامح’ أخو علاء وجوز سعاد، ابتدى يتصل. واضح إن الخبر وصله أو سعاد جرت عليه تحاول تتدارك المصيبة.

ما رديتش على حد. أخدت جناح في الفندق، وقعدت يوسف يتفرج على التلفزيون، وحضرت اللابتوب وأوراق المحامي. الأستاذ عادل جالي الفندق الساعة تسعة بالليل، ومعه ثلاث ملفات ضخمة.

“كريمة هانم.. الوضع كالتالي,” الأستاذ عادل بدأ يشرح وهو بيفرش الأوراق على الترابيزة: “شركة ‘الشهاب’ للهندسة اللي علاء مدير فيها، بتمر بضائقة مالية خفيفة، والتنفيذيين فيها كانوا معتمدين على تجديد عقد الإيجار للأدوار الثلاثة في عمارة المهندسين بشرط التسهيلات اللي كان بيقدمها المرحوم توفيق. لما بلغتهم إن المالك الجديد رافض التجديد وطالب بإخلاء فوري أو رفع الإيجار لأربعة أضعاف مع سداد التأمينات المتبقية، رئيس مجلس الإدارة اتجنن وزعق مع علاء للصبح، وحمله المسؤولية كاملة.”

ابتسمت ابتسامة هادية وقلت: “كويس.. وماذا عن مكتب سعاد؟”

“سعاد هانم مأجرة المقر من ثمان سنين بمليمترات، والعقد اتضح إنه مزور في نسبة الزيادة السنوية. المرحوم كان ساكت عشان خاطر جوزها سامح بيه، بس الأوراق الحقيقية معايا. إحنا نقدر نرفع قضية تزوير وطرد فوري خلال 48 ساعة، أو نطالبها بمليون وثمانمئة ألف جنيه فروق إيجارات متأخرة بالفوائد القانونية.”

قلت بثبات: “رفع القضية ينزل بكرة الصبح. مش عاوزة أي تأخير يا أستاذ عادل. وأنا عاوزة كمان أمر قضائي بمنع علاء من التصرف في أي حسابات مشتركة بيني وبينه، وتجميد كافة الأصول اللي تخص الشراكة اللي بينه وبين أخوه سامح في السجل التجاري.”

الأستاذ عادل بصل تعجب: “أنتي ناوية على دمار شامل يا هانم.. بس قانونًا حضرتك عندك كل الحق. بس يوسف بيه؟ مسألة الحضانة والنفقة؟”

“يوسف معايا، وعلاء مش هيجرؤ يرفع قضية حضانة، لأني معايا كارت ضغط يخليه يوقع على تنازل كامل عن الحضانة وهو ساكت.”

المحامي مشي، وقعدت جنب الشباك أراقب أنوار القاهرة. الوجع جوايا كان لسة حي، سبع سنين زواج ضاعوا في لحظة خيانة رخيصة مع أكتر إنسانة كنت بؤتمنها على بيتي وسري. بس الصدمة اتحولت لجمر بيولع جوايا وبيخليني أتحرك بذكاء وشرود.

تاني يوم الصبح، الساعة عشرة، نزلت مع المحامي وروحنا المقر الرئيسي لشركة “الشهاب للهندسة” في المهندسين. العمارة كانت شائقة، والشركة واخدة أول ثلاث أدوار. دخلت الأمن حاول يوقفني، بس المحامي طلع صورة الملكية الرسمية وأمر الضبط المالي.

طلعت الأدوار الفوقانية، وكان فيه اجتماع مغلق للقاليم والإدارة. دخلت غرفة الاجتماعات بدون استئذان. علاء كان واقف على رأس الطاولة بيشرح العرض السنوي قدام رئيس مجلس الإدارة وأعضاء المجلس. أول ما شافني، وجهه اتقلب أصفر زي الليمونة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى