
حسام اتفاجئ:
— محمد! أنت نزلت إمتى؟ ما قلتش ليه يا راجل كنا استقبلناك!
— القصة طويلة يا حسام.. محتاجك تجيلي مستشفى (…) في المطرية دلوقتي حالا، ومعاك ورقة وقلم، عشان فيه حساب قديم وجديد لازم يتصفى للقانون والأصول.
ساعة واحدة وكان حسام قدامي. حكيت له كل حاجة بالتفصيل، ورّيته صور الفواتير، كشف الحساب البنكي اللي فيه السحوبات اليومية، الفيديوهات اللي حماتي ودعاء منزلينها في شرم الشيخ، والورقة اللي حماتي سيباها بخط إيدها على التلاجة.
حسام هز رأسه بأسف وقال:
— يا محمد، القضايا الشرعية وقضايا التبديد والسرقة بياخدوا وقت في المحاكم، بس أنت معاك كروت تقيلة جداً. أولاً: الفيزا باسمك أنت ولا باسم شيماء؟
— باسمي أنا.. حسابي الشخصي وأنا عامل لها كارت إضافي باسمها هي.
— ممتاز! طالما الحساب باسمك، فالسحوبات اللي تمت بدون إذنك تعتبر استيلاء على أموال شخصية أو استخدام كارت بدون رغبة صاحبه، خصوصاً إن معاك أدلة إن اللي استخدمه في شرم الشيخ مش شيماء، ده حماتك وسيد وجوزها! وثانياً: الورقة اللي بتبعدك فيها عن مراتي وهي حامل ومريضة، مع تقرير المستشفى بحالة سوء التغذية، ده يثبت إهمال وتعريض حياة حامل للخطر.
بصيت لحسام وقلت له بجمود:
— أنا مش عايز بس أرجع فلوسي يا حسام.. أنا عايزهم يعرفوا إن “الغريب” اللي استقلوا بيه ده، يقدر يهد المعبد على دماغم بالقانون والشرع.
بدأنا الخطوة الأولى فوراً.
طلبنا من إدارة المستشفى تقرير طبي شامل وموثق بحالة شيماء الصحية، بيوضح إنها بتعاني من سوء تغذية حاد، وجفاف، وهبوط حاد في الدورة الدموية، وأنها دخلت المستشفى في حالة إعياء شديدة بسب نقص الرعاية والأغذية الأساسية. التقرير ده كان أول سلاح في إيدي.
الخطوة الثانية كانت البنك. حسام اتصل بزميل ليه في إدارة البنك، وعملنا إيقاف فورى لكارت الفيزا الإضافي. وبعدها قدمت بلاغ رسمي في قسم الشرطة بوقف الكارت وفقدانه والتعدي على حسابي البنكي بسحوبات غير مصرح بها من أماكن مختلفة (ماكينات A.T.M في شرم الشيخ) في وقت أنا كنت فيه خارج البلاد (ومعايا ختم الخروج والدخول في الباسبور بيثبت إني دخلت مصر للتو، وشيماء كانت محجوزة في المستشفى بتقرير طبي). يعني بالمنطق والقانون: مين اللي كان بيسحب بالفيزا في شرم الشيخ في نفس التوقيت؟
في الوقت ده، حماتي وبنتها دعاء وسيد جوزها كانوا عايشين اللحظة في شرم الشيخ. الفنادق الفخمة، الأكل الغالي، الخروجات، والتفاخر على السوشيال ميديا. هما كانوا فاكرين إن محمد في الكويت غرقان في شغله، وشيماء في المطرية مقفول عليها بابها خايفة ومكسورة ومتقدرش تتكلم.
في اليوم الثاني لينا في المستشفى، شيماء كانت بدأت تسترد عافيتها شوية بفضل المحاليل والرعاية. قعدت جنبها وقلت لها:
— شيماء، أنتِ وثقتي فيا وعارفة إني عمري ما هظلمك. بس أهلك تجاوزوا كل الحدود. هما مش بس سرقوني، هما كانوا هيقتلوا بنتي اللي في بطنك ويدمروا صحتك.
شيماء بكت وقالت:
— اعمل اللي تشوفه صح يا محمد.. أنا خلاص ما بقاش ليا عين أدافع عنهم. دول سابوني وأنا بموت وأخدوا لقمة عيشي.
في نفس اليوم بالليل، بدأت السلسلة تضيق على رقابيهم من غير ما يحسوا.
سيد، جوز دعاء، شغال في شركة مقاولات صغيرة، وعلشان يتباهى قدام نسيبه، كان واخد إجازة وبايع القضية ومقضيها مصاريف من كيس “محمد العوضي”.
حسام المحامي شغل معارفه، وبدأ يتبع الأماكن اللي بيتسحب منها الفلوس في شرم الشيخ. اتضح إن سيد كان بيستخدم الفيزا في مشتريات من سوبر ماركت كبير وفي محلات مجوهرات هناك! أيوة.. حماتي واخدة الفلوس تشتري دهب لنفسها ولأخت مراتي من شقايا في الغربة!
هنا، الصبر كان انتهى.
عملت حركة خبيثة بس قانونية. بعتت رسالة للبنك بتأكيد السحوبات الأخيرة وبطلب تفاصيل العمليات اللي تمت في آخر 48 ساعة. البنك بعت لي التقرير كاملاً بالوقت والمكان والتاجر.
يوم الجمعة الصبح، حماتي ودعاء وسيد كانوا بيستعدوا يخرجوا يعملوا شوبينج جديد في خليج نعمة. سيد راح يقف قدام مكنة الـ ATM عشان يسحب 10 آلاف جنيه جديدة عشان كافيهات بالليل.
حط الكارت في المكنة، كتب الباسورد.. المكنة طلعت له رسالة: “عفواً، تم سحب الكارت. يرجى مراجعة الفرع.”
سيد اتوتر، حاول يطالب المكنة بترجيع الكارت، مفيش فايدة. المكنة بلعت الكارت فوراً لأن الحساب اتعلم عليه كـ “كارت مسروق ومبلغ عنه”.
سيد جرى على حماتي ودعاء وهما قاعدين في لوبي الفندق:
— الحقيني يا حماتي! المكنة سحبت الكارت وما رضيتش تطلع فلوس!
دعاء اتخضت:
— إزاي يعني؟ هو الحساب خلص؟
سيد:
— خلص إيه! ده محمد باعت ألوفات، المكنة كwrite لي رسالة غريبة وتلفزيون البنك حجز الكارت!
في نفس اللحظة اللي هما واقفين فيها مرعوبين في لوبي الفندق، موبايل حماتي رن.
كان الرقم رامي من القاهرة.. رقمي أنا!
حماتي بصت للموبايل، وشها أصفر، وقالت لدعاء بصوت واطي:
— ده محمد.. بيتصل ليه دلوقتي؟ ده المفروض شغاله في الكويت!
ردت حماتي بصوت حاولت تخليه ناعم ومطمن:
— أيوة يا محمد يا بني.. ازيك؟ عامل إيه في الغربة؟ ربنا يقويك يا حبيبي.
مسكت الموبايل، وبصوت هادي جداً خالي من أي انفعال، قلت لها:
— الله يسلمك يا حماتي. الجو عندك إيه في شرم الشيخ؟ البسين دافي؟ والشال الكويتي مظبوط على رقبتك؟
السكوت حل في الطرف الثاني. الصوت قطع تماماً. حماتي اتسمرت مكانها، ومبقيتش عارفة تنطق ولا كلمة.
كملت كلامي بكل برود:
— الجمبري والاستاكوزا كانوا حلوين؟ والشوكولاتة اللي باعتها لأدهم ابني عجبتكم؟
حماتي بدأت تترعش وتتلعثم:
— مـ.. محمد! أنت.. أنت عرفت إزاي؟ أنت نزلت مصر؟
— أنا نزلت من يومين يا حماتي. نزلت عشان أستقبل بنتي مريم، ولقيت مراتي قاعدة في المطبخ الفاضي بتاكل عيش ناشف وأكل بارد من غير نقطة زيت ولا حتة لحمة.. في الوقت اللي أنتِ وبنتك وجوزها بتصرفوا فيه الـ 80 ألف جنيه بتوعي في شرم الشيخ.
دعاء وسيد كانوا واقفين جنبها سامعين الصوت لأن سماعة الموبايل كانت عالية من دهشتها. وشهم اتخطف.
سيد مسك الموبايل من إيد حماتي وقال بصوت بحوح يحاول يبان شجاع:
— جرى إيه يا كابتن محمد؟ إحنا عيلة واحدة، والحاجة كانت تعبانة وأحنا طلعناها تفك عن نفسها شوية، والفلوس اللي اتصرفت دي مرتك هي اللي أدتها لأمها!
ضحكت ضحكة قصيرة مفيهاش أي أمل:
— سيد.. أنت رجل بالغ وعاقل وشغال في شركة، وعارف يعني إيه استخدام كارت بنكي مسروق بدون إذن صاحبه، وعارف يعني إيه إيصالات سحب مجوهرات بشقا راجل مغترب. أنا ما بتكلمش معاك في أصول ورجولة، لأن الرجولة طارت من عندك من يوم ما وقفت تتفرج على مرتك وأمها وهما بياكلوا خير راجل تاني وتشاركهم فيه.




