روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 1

​كل ما تليفونه يرن، يطلع يجري على البلكونة، ويتكلم بصوت واطي ومكتوم كأنه بيوشوش حد.

​مرة كنت معدية بكوباية مية، راح قفل السكة بسرعة ولف وقال لي وهو بيضحك:

​”ده عميل غلس، فصيله وزهقني.”

​بس ضحكته ساعتها كانت مهزوزة ومصطنعة أوي.

​هو أنا اللي بقيت شكاكة وزيادة عن اللزوم؟

​قفلت الحنفية، وأخدت الفوطة أنشف إيدي.

​في اللحظة دي، التليفون اتهز في جيبي.

​كانت رسالة على الواتساب من حماتي، طنط هدى.

​”منة يا حبيبتي، عمك مصطفى من امبارح عمال يزن عاوزنا نطلع رحلة تبع المعاشات للفيوم . عمال يبرطم طول الليل، وأنا أقوله يا راجل استنى لما الجو يتحسن شويع وهو قفش وزعل.. كل ما بيكبر بيبقى شبه العيال الصغيرة.”

​وفي آخر الرسالة إيموجي بيضحك ومكسوف.

​شفايفي اترسمت عليها ابتسامة من غير ما أحس.

​حمايا وحماتي دول أطيب ناس في الدنيا.

​عم مصطفى قبل ما يخرج على المعاش كان أسطى وخريج مدرسة الصنايع، راجل دغري وميعرفش اللف والدوران، وعاش عمره كله لبيته وعياله.

​وطنط هدى ست طيبة وفي حالها، وبتعاملني كأني بنتها اللي مخلفتهاش وأكتر.

​من يوم ما طلعوا على المعاش، وحلمهم الوحيد يلفوا مصر بالعربية ويتفسحوا.

​بس عربيتهم القديمة بقت بتسخن ومبقتش حمل سفر وطرق مفتوحة ومش عايزين ياخدو عربية ابنهم لانه بيحتاجها كل شويه في شغله.

​ياما قولت لهم “يا عم مصطفى خد عربيتي كبيره مريحة وواسعة في السفر”.

​بس حمايا كان دايماً يرفض بعزة نفس ويقول لي “يا بنتي دي عربيتك ، منحبش نبهدلها معانا”.

​مسكت التليفون وكتبت لها:

​”يا طنط لو عمو عاوز يسافر، المفتاح والعربية تحت أمركم في أي وقت.”

​”أنا كدة كدة بستخدمها بسيط خالص، وفي الويك إند مبروحش بيها حتة. خدوها بدل ما هي مركونة تحت البيت والتراب بياكلها.”

​الرسالة مفيش ثانية والرد جه:

​”يا حبيبتي تسلمي، كلام إيه ده بس! العربية عربيتك، وإحنا مش هنتبغدد بيها. وبعدين هتروحي شغلك إزاي؟”

​بصيت للشاشة كام ثانية، و صوابعي كتبت بسرعة:

​”يا ستي أنا بركب المترو وبكون في الشركة في ربع ساعة، أسرع من زحمة المحور والعربية مائة مرة. قولي لعمو يتوكل على الله ويجهز الشنط، واطلعوا اتبسطوا قوام.”

​ودست إرسال، وأنا ببتسم

تاني يوم كان شريف جوزي وصل اخر اللليل ومشي بدري الصبح قبل ما يصحيني

قومت من النوم وكنت هتصل بيه بس سمعت صوت خبط هلى الباب

روحت فتحت كانو حمايا وحماتي ومعاهم شنط سفرهم

حمايا ابتسم بكسوف وقال..معلش لو هنتعبك يا منه

ضحكتوانا بديله مفتاح العربيه وقولت…المهم تتبسطو وصور كتير بقى

حمايا اخد المفتاح بفرحه زي الاطفال وقال…ده انا هبعتلك صوره كل ثانيه

حماتي ضحكت وقالت ..مفيش فايده فيه

وحضنتني وهيه بتشكرني من قلبها

اول ما خرجو من عندي مسكت التليفون واتصلت بشريف

بعد دقايق رد وقال بلهفه…ها يا روحي نزلتي شغلك اخبار العربيه ايه معاك

استغربت سؤاله واللهفه اللي في صوته وقالولت..لا يا حبيبي انا هنزل بالمترو النهارده ..العربيه اخدوها باباك ومامتك هيلفو بيها ويشوفو الدنيا

شريف اتجمد وحتى صوت نفسه مسمعتوش واللي حصل بعدها عمري ما اتخيلته ………

الصمت الذي خيم عبر الهاتف لم يكن صمتاً عاديّاً، بل كان برزخاً من الرعب والذهول المطبق. صوت أنفاس شريف المتسارعة هرب تماماً، وكأن الهواء أُفرغ فجأة من الرئة التي كانت تبث الوعود بالحب والأمان لسنوات.

“شريف؟ أنت معايا؟”

سألت بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة، وأنا أضم الهاتف إلى أذني وأرقب من النافذة سيارتي الرابضة في الأسفل، وهي تتحرك ببطء وثبات، متجهة نحو البوابة الرئيسية للمجمع السكني، ويجلس خلف عجلة قيادتها الرجل الطيب الذي أفنى عمره ليصنع من ابنه “رجلاً”.

فجأة، صرخ شريف في الهاتف بصوت لم أعهده منه طوال ثلاث سنوات، صوت مشروخ ومذعور حد الهستيريا: “منة! أنتِ بتقولي إيه؟! بابا وماما مين اللي أخدوا العربية؟! أنتِ اتجننتِ؟!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى