
يونس زعق بصوت هز جدران الشقة، صوت طالع من قاع صدره ومليان غضب وتشتت: “بس يا أمي! سيبيني أشوف البت عندها ايه! الموضوع دخل في شرف بيتي وأخلاق بنتي، ولازم أفهم!”
مسك إيد مكة ودخل معاها أياض الأطفال وقفل الباب بالمفتاح، وحماتي واقفة بره تضرب كف بكف ووشها يبث سموم وتخبيط على الباب: “افتح يا يونس! بتصدق العيل وتكدب أمك اللي ربتك؟ بقى بت الهانم تدحلب عليك؟”
جوه الأوضة، كانت مكة بتترعش، إيدها الصغيرة ماسكة الموبايل. يونس قعد على ركبه قدامها، مسك كتفها وبص في عينها وقال بنبرة مخنوقة: “قولي يا مكة.. فيه ايه؟ الموبايل ده عليه ايه؟”
مكة فتحت الفيديو وضغطت تشغيل..
ظهرت الصورة واضحة، الكاميرا كانت متثبتة من فوق السرير، وحماتي باينة وهي بتتسحب جوه أياض النوم، عينها بتتلفت يمين وشمال زي الحرامية، طلعت لفة الفلوس من جيب جلابيتها الكبيرة، فتحت الدولاب وحشرتها بشر بسرعة بين هدومي المغسولة والمترتبة، وبعدين عدلت الهدوم بإيدها عشان تبان مستخبية، وابتسمت ابتسامة خباثة ورجعت تسحبت وخرجت.
الصوت في الفيديو كان مسموع، حماتي وهي بتحط الفلوس كانت بتهمس لنفسها وبتقول: “أما نشوف المرة دي يا حور هتروحي فين من يونس.. مش هسيبك في البيت ده ليلة واحدة.”
يونس عينه اتسمرت على الشاشة، وشة اتقلب أصفر زي الميتين، إيده اللي ماسكة الموبايل بدأت تترعش بشدة. الفيديو كمل.. ولما مكة خرجت وراها من الأوضة، سجلت صوت حماتي وهي بتتحول فجأة وتصرخ وتلم الناس وتتهمنا بالسرقة، وظهر صوت شتايمها وتقليلها مني ومن أهلي.
يونس قفل الموبايل، وغمض عينه لفترة طويلة، النفس طالع منه بالعافية، كأنه كان غرقان ومحتاج أكسجين. الصدمة كانت أكبر من قدرته على الاستيعاب؛ أمه اللي بيعبد تراب رجليها، المرأة اللي كان فاكرها ملاك مظلوم، هي اللي بتدبر وتخطط وبتلبس مراته وبنته تهمة السرقة عشان تخرب بيته.
مكة بصت له ودموعها نازلة: “شفنا يا بابا؟ ماما مظلومة، وتيته هي اللي حطت الفلوس.. وتيته شتمتني وشتمت ماما وقالت علينا حرامية.. أنا مكنتش عايزة أوريك الفيديو قدامها عشان كانت هتخطف الموبايل وتكسره.”
يونس حضن مكة بقوة، دمعه نزلت من عينه على كتفها وقال بصوت مكسور: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا مكة.”
خرج يونس من الأوضة، خطواته كانت تقيلة كأنه ماشايل جبل على كتفه. حماتي كانت واقفة مستنياه عند الباب، أول ما شافته طالع وشه اسود ومكسور، افتكرت إن البت فشلت في تقنيعه، فقربت منه بشر وقالت: “ها يا يونس؟ وريتك ايه البت الصايعة دي؟ اكيد أمها محفظاها كلمتين! يلا يا بني نرمي لها هدومها ونطردها هي وبنتها، دي واحدة ما يأتمنش على بيت ولا مال!”
يونس بص لأمه بنظرة عمرها ما شافتها منه.. نظرة مفيهاش احترام ولا حنية، نظرة مليانة قرف وخيبة أمل.
مد إيده بالموبايل قدام وشها، وضغط على زرار التشغيل.
أول ما صوت حماتي طلع من الموبايل وهي بتهمس في الأوضة وبتدبس الفلوس، الضحكة الأصفر اللي كانت على وشها اختفت تمامًا. المكان بقى ساكت سكون يرعب، مفيش غير صوت الفيديو شغال وصوت أمه وهي بتتآمر.
وش حماتي اتقلب، عيونها وسعت من الرعب، وبدأت تتلعثم: “ده.. ده ايه ده؟ ده فبركة! البت مفبركة الفيديو ده بالموبايل! أنتم بتتفقوا عليا؟”
يونس صرخ بصوت هز العمارة كلها، صوت طالع من حرق دم وسنين مخدوع فيها: “فبركة ايه يا أمي؟! كفاية كذب بقى! كفاية حرام عليكي! دي صورتك وحسك وصوتك! بتدبسي مراتي؟ بتعلمي بنتي إن تيتة حرامية وبتتبلى على الناس؟ ده أنا كنت هضرب مراتي! كنت هخرب بيتي بفرية منك!”
أنا كنت واقفة في جنب الأوضة، جسمي كله بيلف، الدموع جفت في عيني من هول المنظر. كنت شايفة الراجل اللي بحبه وبيحبني بيتكسر حتت قدامي، مخدوع في أقرب الناس ليه.
حماتي لما لقيت الكارت الاتكشف والمصيدة اتقفلت عليها، مالمتش نفسها ولا اعتذرت، بالعكس، الوش الملاك اختفى وظهر الوش الحقيقي. وقفت بتحدي ورفعت رأسها وقالت بقسوة: “ايوه يا يونس! أنا اللي حطيت الفلوس! وأنا اللي حطيت الدهب المرة اللي فاتت! عايزه أخلص منك ومنها! البت دي مش عاجباني من أول يوم دخلت فيه البيت، أخدتك مني، بقيت بتحبها أكتر مني! كل ما أطلب منك حاجة تقولي حور والبيت! أنا اللي ربيتك وتعبت فيك، تجي واحدة زي دي تاخدك على الجاهز؟ أنا مش هستريح إلا لما أطلقها منك وتطلع من هنا بحسرة قلبها!”
الكلام نزل عليا زي السم. يونس رجع لورا خطوة، كأنه اتضرب بالنار: “تسرقي نفسك عشان تطلقي مراتي؟ تخليني أظلمها وأشوفها حرامية؟ طب والدهب اللي فاتت؟ قولتلي حور سرقته وعيشتيني في شك فيها سنة كاملة؟”
حماتي ردت ببرود يرعب: “اه، والدهب كمان أنا اللي حطيته في شنطتها.. وكنت هفضل وراها لحد ما تسيب البيت ده وتروح بيت أبوها مكسورة عين!”
يونس مسك راسه بإيديه الاتنين، كان هيقع من طوله. بصلي وعيونه مليانة دموع ورجاء، بصلي كأنه بيستجديني أسامحه على كل لحظة شك فيها فيا، على كل كلمة قاسية قالها لي وهو فاكر إن أمه مظلومة.
قرب مني بخطوات مكسورة وقال بصوت متقطع: “حور.. أنا.. أنا مش عارف أقولك ايه.. أنا أظلم انسان في الدنيا.. أنا صدقت فيكي السوء وأنتي صاينا بيتي وشرفي.. سامحيني يا حور.. أرجوكي سامحيني.”
حماتي اتدخلت بصوت عالي وزعاق: “بتتأسف لها يا يونس؟ بتتأسف للحرامية وبتقولها سامحيني قدامي؟ لو ليا خاطر عندك تطردها دلوقتي، يا إما أنا اللي همشي ومش هتشوف وشي تاني وتكون مغضوب عليك ليوم الدين!”
يونس التفت لأمه، والمرة دي مكنش فيه يونس الابن المطيع المتساق بالكدب.. كان فيه راجل اتجرح في كرامته وبيته.
بص لأمه وقال بنبرة هادية بس أشد من السكين: “اللي هيمشي من البيت ده دلوقتي يا أمي.. هو انتي.”
حماتي اتصدمت وقالت: “أنت بتطرد أمك عشان خاطر دي؟”
يونس قال بصوت حاسم: “أنا مش بطرد أمي.. أنا ببعد الخراب عن بيتي. انتي أذيتيني في مراتي وفي بنتي، وعايزة تخربي بيتي بالباطل والكدب. الفلوس اهي، ودهبك عندك.. ويا ريت تفتكري إن حور سكتت المرة الأولى علشان خاطري أنا، لكن انتي ما رحمتيش سكوتها واستغليتيه.”
حماتي لفت وشها وبصت لي بغل وكره لا يوصف، جمعت حاجتها وهي بتبرطم وتدعي عليا وعلى بنتي، وخرجت ورفعت صوتها في الطرقات وهي نازلة: “مش هسامحك يا يونس! وهتشوف البيت ده هيجرى فيه ايه من غير بركتي!”
قفل يونس الباب وراها، وساد الهدوء في الشقة.. هدوء تقيل يوجع القلب.
يونس لف ليا، وقعد على الأرض تحت رجلي، مسك إيدي وباسها وهو بيعيط بحرقة زي الأطفال: “سامحيني يا حور.. وحياة أغلى حاجة عندك سامحيني.. أنا كنت عمى، كنت فاكر إني ببر أمي، طلعت بشارك في ظلمك.”
رفعت يونس من على الأرض، ودموعي نازلة: “أنا سكت عشان بحبك يا يونس.. بس السكوت كاد يهد بيتنا.”
مكة جت وحضنتنا إحنا الاتنين، والبيت كله كان في حالة ذهول من اللي حصل. افتكرنا إن الكابوس انتهى بخروج حماتي.. لكن اللي مكنش في الحسبان، إن حماتي مش من النوع اللي يسلم بالهزيمة بسهولة، وإن خروجها من البيت مكنش إلا بداية لخطة ألعن وأشد، خطة مش بس هتستهدفني أنا.. دي هتستهدف شغلي، وسمعتي، والعيلة كلها!
تسارع الأحداث بدأ بعد يومين بس من القعدة دي.. لما الباب خبط بقوة غير طبيعية في وسط الليل…
#الكاتب_رومانى_مكرم_روميو



