روايات وقصص

حكايات منى السيد 3

قربت من الكشك، وشفايفي بترتعش:

— «ندى.. يابا..»

ندى خرجت من الكشك، وقفت بيني وبين الكرسي المتحرك بتاع أبويا، وقالت بصوت هادي ومفيش فيه أي ذرة كره، بس مليان حدود حاسمة زي الجبل:

— «علي.. أنت جاي ليه؟»

— «جاي استسمحكم..» وقعت على ركبتي في الشارع قدام الكشك، «أنا اتعدلت يا ندى.. بقيت بشتغل في الخشب حمال، وبسترزق بالحلال، وبعت الشقة والفلوس المسروقة رجعت لأصحابها.. أنا اتعلمت الدرس، اتعلمت إن الفلوس ما بتعملش رجالة.. أرجوكي يا ندى خليكي في حياتي حتى لو خدام تحت رجليكي أنتِ وأبويا!»

أبويا رفع إيده المرتعشة ببطء شديد، وشاور لندى..

ندى قربت منه ووطت أذنها لبوّه. أبويا همس لها بكلمات متقطعة بصوت ضعيف جداً..

ندى رفعت رأسها وبصت لي، وعينيها دمعت لأول مرة من شفقتا عليا:

— «أبوك بيقولك: “ربنا يسامحك يا علي ويصلح حالك.. بس أنت اخترت طريقك من زمان، وحقنا أخدناه بالقانون وبالأصل.. روح يا ابني وابني حياتك من جديد بالحلال، بس بعيد عنا”.»

— «وأنتِ يا ندى؟» سألتها وأنا حاسس إن روحي بتطلع.

ندى ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

— «أنا سامحتك لله يا علي.. عشان أطهر قلبي من أي غل. بس اللي اتكسر ما بيتصلحش، والبيت اللي اتهدم بعاطفة الغرور ما بينفعش يتبنى على أنقاض الوجع.. اذهب يا علي، وربنا يهديك.»

ندى لفت الكرسي المتحرك بأبويا، ودخلته جوة الكشك الدافئ، وقَفلت الباب الزجاجي النصفي بيني وبينهم..

فضلت واقف في الشارع المطير، ببص عليهم من ورا الزجاج. أبويا بياكل معلقة شوربة دافية من إيد ندى، وندى بتبتسم له بحب ورضا..

وأنا.. واقف برة في السقعة والبرد، عرفت إن العقاب الحقيقي مش السجن ولا الفقر.. العقاب الحقيقي إنك تشوف الجنة اللي كانت في إيدك، وأنت واقف برة أسوارها ومش مسموح لك تدخلها أبداً!

سندت جبهتي على الزجاج المبلل بتعاسة الدنيا كلها. من ورا الإزاز الشفاف، شفت أبويا بيمسح دمه بيده المرتعشة، وندى بتطبطب على كتفه بحنان وأصل، حنان كان المفروض يكون مني أنا.. ابن عمره اللي ضيعه الغرور والعمى.

قفلت عيني ودموعي بتنزل بغزارة مع مية المطرة اللي أغرقت القميص المتبهدل على جسمي. عرفت في اللحظة دي إن كل محاولاتي عشان أصلح اللي فات كانت زي اللي بيبني بيوت من رمل في وسط الموج. ندى ما كانتش قاسية، بالعكس.. ندى كانت أعدل وأرحم مني بكتير؛ سامحتني لله، بس رفضت ترجع عشان عارفة إن كرامتها وأصلها مش بضاعة تنباع وتشتري في سوق الندم.

مشيت ببطء، بجرّ رجلي في الشارع، مسحوب الخطوات بعيد عن الكشك.. بعيد عن الجنة اللي ضيعتها بإيديا. كل خطوة كانت بتقول لي إن الملايين والمعارض والعربيات الفارهة ما صانتش بيت، ولا حمت أب، ولا عملت راجل.

عدت السنين..

عشت باقي عمري في أطراف دمياط، بشتغل نجار بسيط في ورشة صغيرة على قد حالي. بقيت أصحى مع أذان الفجر، أستغفر ربنا، وأشتغل بعرق جبيني عشان آكل لقمة حلال صافية مفيهاش شبهة ولا قرش حرام.

كل يوم جمعة، كنت ببعت جزء من قُوتي البسيط في جواب مقفول مع بوسطجي لمنطقة الكشك، مكتوب عليه: “تبرع من فاعل خير لرعاية العجزة والمحتاجين”.. عشان أضمن إن أبويا وندى ما يتحوجوش لحد، وعشان أكفّر عن ذنبي وأطفئ النار اللي بتاكل في صدري.

وفي ليلة هادية من ليالي الشتا، وأنا قاعد في أوضتي الصغيرة جنب وابور الجاز، مسكت الورقة المتين جنيه المكمشة اللي احتفظت بيها طول السنين دي.. بصيت لها بابتسامة مكسورة، وحطيتها جوة مصحفي القديم.

عرفت إن الدنيا فعلاً لفّت ودارت، وربنا جاب لي حقي من نفسي ومن غروري.. وإن الفلوس مش هي اللي بتعمل القيمة، لكن الأصل والضمير ونظافة القلب هما اللي بيبقوا. وعشت باقي أيامي راجل فقير في جيبه، بس نظيف في سعيَه، أملي الوحيد إن ربنا يجمعني بأبويا وندى في مكان أطهر وأعدل من الدنيا دي كلها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى