
أثبتت التحقيقات والأوراق اللي ندى قدمتها إن ختمي وتوقيعي استُغلوا في بعض الأوراق بدون علمي، لكن التستر والإهمال والتوقيع على بعض الشيكات لمستوردين وهميين لبّسني قضية “تسهيل استيلاء على أموال عامة وتستر على مجرم هارب”. خرجت بكفالة مالية ضخمة أخدت كل اللي حيلتي في الحسابات البنكية الشخصية.. خرجت بملابسي اللي عليا، من غير عربية فارهة، ومن غير حسابات، ومن غير شركة، وحتى شقتي في القاهرة اتحفظ عليها لحين سداد أموال المتضررين.
بعد تلات أسابيع من التخبيط في ممرات المحاكم والنيابات، وقفت في الشارع تحت شمس الجيزة المباشرة. لابس قميص مبهدل وجزمة مشققة، مش حيلتي غير جنيهات قليلة في جيبي.
أول مكان فكرت أروحه كان العزبة العشوائية اللي ورا الرشاح.. المكان اللي شفت فيه ندى وأبويا لأول مرة.
مشيت بين البرك والطين، رجلي بتغرز في نفس المكان اللي استحقرت ندى فيه. وصلت للأوضة الصاج.. الباب كان مفتوح، والغرفة فاضية تماماً! مفيش سرير، مفيش كومودينو، ولا حتى حبل الغسيل القديم!
سألت ست كبار في السن كانت قاعدة قدام الأوضة بتنقي رز:
— «يا حاجة.. فين الست اللي كانت هنا مع الراجل الكبير المشلول؟»
الست بصت لي بقرف من فوق لتحت وقالت:
— «أقصدك الست ندى؟ دي ست أصيلة وبألف راجل.. أخدت أبوها الراجل الطيب ونقلوا من هنا من أسبوعين. ناس أولاد حلال من الصعيد جابوا لها شقة صغيرة نضيفة في منطقة هادية وعملوا لها مشروع صغير كشك ومحل منظفات تعيش منه هي وأبوها بالحلال..»
— «تعرفي عنوانهم فين يا حاجة؟ أرجوكي!» قلتها وأنا برجف وببوس إيدها.
— «ما أعرفش ولا عايزة أعرف أقولك.. هي حذرتنا كلنا وقالت لو جه راجل لابس نضيف يسأل عليا أو على أبويا، قولوا له إننا مشينا وما تدوهاش عنواننا.. وقالت جملة غريبة كدة: “قولوا له يتفكر المية جنيه والمصحة، وينسى إن كان له أب أو ست ناديفة في حياته”.»
نزلت على ركبتي في الطين قدام باب الأوضة الصاج. بكيت زي العيل الصغير اللي ضاع من أمه في المولد. الشارع كله كان بيتفرج عليا، الراجل اللي كان معاه ملايين وراكب أحدث موديل عربية، قاعد في الطين بيترجى خبر عن الست اللي كان بيرمي لها الفلوس من الشباك.
عدت الشهور..
اشتغلت ورنيش جزم في شوارع الجيزة، وبعدها اشتغلت حمال خشبي في ورش صغيرة في أطراف دمياط، عشان أقدر آكل لقمة حلال وما أمدش إيدي لحد. كل يوم بالليل، كنت بقعد على رصيف القهوة، وأطلع الورقة المتين جنيه اللي ندى سابتها لي في النيابة مع المحامي.. ورقة مكمشة ومبتلة بدفء دوا أبويا، كنت ببص لها وأبكي.
وفي يوم من أيام الشتا، وأنا شايل لوح خشب ثقيل على ضهري في شارع جانبي بمدينة نصر بالقاهرة، لمحت كشك صغير مكتوب عليه “مكتبة ومستلزمات طبية”.
جوة الكشك، كانت ندى..
لابسة خمار نضيف، وشها مشرق ونور الرضا مالي ملامحها. وكانت بتضحك وهي بتقدم علبة دوا لزبون.
وجنب الكشك، على كرسي متحرك في الشمس، كان قاعد الحاج فاروق!
كان لابس جلابية بيضاء نضيفة، ومسند رأسه وبيسمع راديو صغير جنب أذنه.
قلبي دق بسرعة الصاعقة. وقع لوح الخشب من على ضهري على الأرض. قربت بخطوات بطيئة ومترددة، دموعي مغرقة وشي..
أبويا لف رأسه ببطء بالكرسي المتحرك.. وعينيه جت في عيني!
أبويا ما صرخوش، ولا اترعب، ولا اهتز.. بص لي بنظرة عميقة، حزينة، بس فيها تسليم كامل.
ندى لمحتني وهي بتطلع الباقي للزبون. الابتسامة اختفت من على وشها ببطء، وحلت محلها نظرة ثبات ووقار هزت كياني.




