
“إبراهيم الألفي؟ أنت مطلوب للتحقيق في بلاغ دهس وهروب يعود لعام ٢٠١٩، وبناءً على البلاغ المقدم من والدك ومن واقع التحريات الجديدة، تتفضل معانا.”
التفتّ إلى أبي، فرأيت وجهه يتصبب عرقاً. خُطته التي بناها على مدار سبع سنوات للسيطرة والانتقام الخاص تهاوت في لحظة؛ والد إبراهيم قرر تضحية ابنه في قضية حادثة سير قديمة وتكفيل محامين له، على أن يترك نفسه تحت رحمة ابتزاز أبي بأوراق الفساد!
خطا إبراهيم خطوة نحو الضابط، لكنه التفت إليّ قبل أن يضع الكلبشات في يديه. كانت عيناه هادئتين لأول مرة منذ أن دخل هذه الأوضة.
قال لي بنبرة صادقة:
“دي أول مرة أحس إني بتنفس صح من سبع سنين. السجن أرحم بكتير من الهروب، وأرحم من السجن اللي أبوكِ كان عايز يحبسنا فيه.. أنا آسف على كل حاجة.”
نظر إليّ أبي بنظرة انكسار وغضب مكتوم، وقال بصوت يرتجف:
“أنتِ مبسوطة كده؟ حقك راح! القانون بفلوسهم هيطلعه بعد كام شهر بكفالة!”
أخذت نفساً عميقاً، ونظرت لأبي بثبات لم أعهده في نفسي من قبل، وقلت له أمام الجميع:
“حقك أنت اللي راح يا بابا.. عشان أنت كنت عايز تروي غليلك، مش تاخد حقي. الحق الحقيقي إنه يتحاكم أمام القانون، ومش إني أكون السلعة اللي بتدفع التمن في حربكم.”
ساق الضابط إبراهيم إلى الخارج، وتبعه والده بنظرات نصر باردة نحو أبي، بينما بَقيت أنا وأبي في الصالة.. المنزل أمدّ بالهدوء فجأة، ولكن هذه المرة، لم أعد البنت الخاضعة التي تخاف من كلمة أبيها، ولم يعد هو الرجل الذي يملك زمام أمري.
غادر الجميع، وإغلاق الباب الخارجي هذه المرة كان يعلن بداية فصل جديد تماماً. كانت الشقة فارغة إلا مني ومن أبي، الذي ظل واقفاً في منتصف الصالة كأنه تمثال من حجر، ينظر إلى اللاشيء بعدما انهارت خطته التي كرس لها سبع سنوات كاملة في غمضة عين.
مشيت بخطوات هادئة نحو الأريكة، وجلست عليها، وضعت طرحة الزفاف البيضاء جانباً. لم أعد أشعر بالخوف الذي كان يتملكني كلما انتصب أبي أمامي. الجدار الزجاجي الذي كان يبنيه بيني وبين العالم تحت مسمى “الحماية والسيطرة” انكسر إلى غير رجعة.
التفت إليّ أبي بصوت مكسور ومبحوح، خالي من كل معاني القوة التي يتظاهر بها دائماً:
“ضيعتِ حقك.. ضيعتِ التار اللي قعدت سنين أخطط له. بقيتِ مبسوطة وهو طالع مع الضابط ومطمن إن أبوه بنفوذه هيخرجه بعد كام شهر؟”
رددت عليه بصوت هادئ وثابت:
“أنا ما ضيعتش حقي يا بابا.. الحق مش إننا نتحول لمجرمين زيهم. أنت ما كنتش عايز حقي، أنت كنت عايز تمارس سلطتك وتنتقم لكرامتك اللي اتجرحت يوم الحادثة. استغلقت جرحي وعلامة وشي عشان تحبسني أنا وهو في سجن إحباطك وغضبك.”
سكت أبي، وعيناه تتنقلان في الشقة، كأنه يدرك لأول مرة أن الغرفة التي أرادها محكماً وسجناً لإبراهيم، كانت بالأساس السجن الذي حبسني فيه طوال شبابي.
تابعتُ وأنا أقف وأمر بيدي على مكان الجرح القديم فوق حاجبي:
“الجرح ده علمني إن الحياة ممكن تقف في ثانية، بس السبع سنين اللي بعده علمتني إن الخوف من السيطرة أصعب من أي حادثة. إبراهيم هيروح ينال جزاءه بالقانون، سوا اتسجن سنة أو عشرة، هو اعترف بذنب عاش يهرب منه، وهيتواجه مع ضميره. أما أنا.. فمن الليلة دي مش هكون العروسة المكسورة، ولا البنت اللي بتنفذ أوامر من غير ما تفكر.”
بدأ الفجر يلوح من خلال النافذة، وخطوط النور الأولى تسللت إلى الصالة المظلمة. مشيت نحو غرفتي القديمة، وضعت حقيبة صغيرة جمعت فيها بعض أغراضي الخاصة وأوراقي الشخصية، وأعدت فستان الزفاف التقيل إلى دولابه، وارتديت ملابسي العادية البسيطة.
خرجت بالحقيبة، ووجدت أبي ما زال جالساً على الكرسي، ينظر إليّ بنظرة ذهول وشك:
“أنتِ رايحة فين في وقت زي ده؟”
أجبته وأنا أضع يدي على مقبض الباب الخارجي:
“رايحة أبدأ حياتي يا بابا.. الحياة اللي أنت وقفتها من سبع سنين. هكمل دراستي، وهشتغل، وهعيش من غير ما استنى شفقة من حد أو انتقام من حد. العقد اللي اتكتب الليلة دي هيتفسخ بالقانون، وكل واحد فينا هيروح لحاله.”
فتح أبي فمه ليتكلم، ليمارس سلطته المعتادة، لكنه لم يجد الكلمات. رأى في عينيا شيئاً لم يره من قبل: استقلالية وقوة وُلدتا من قلب الليالي المظلمة.
فتحت الباب الخارجي، ونزلت درجات السلم بخطوات واثقة. تنفست الهواء الناعم مع شروق الشمس، ولأول مرة منذ سبع سنوات، شعرت أن الثقل الذي كان يجثم على صدري قد تلاشى تماماً. لم أعد الضحية، ولم أعد رهينة للماضي.. كانت تلك النقطة هي النهاية الحقيقية للكابوس، والبداية لحياة اخترتها بنفسي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




