
— النهاردة.. الملف معاه من غير الملاحظات بتوعي. وأنا مش هدفع ثمن سكوتي تاني.
في نفس اللحظة دي، كانت الساعة 8 بالليل.
شريف نزل للباب الأرضي، خبط على أوضتي الضيقة جنب الحيطة المرطوبة:
— يا طنط! يا طنط سعاد! افتحي الباب ده مش وقت دلع! الميزانية فين؟! الملف اللي كان على المكتب إنتِ جيتي جنبه؟!
ما كانش فيه رد.
شريف فتح الباب بعنف.. الأوضة كانت فاضية. السرير المحشور في الركن كان متغطي، ومافيش أي أثر ليا.
شريف دخل يبص على المكتب الصغير اللي في الزاوية، يدور على الورقة البيضا الصغيرة اللي متعود يلقاها محطوطة جوه ملف الشركة.. الورقة اللي فيها الحسابات المتظبطة بالخط اليدوي الدقيق.
مافيش حاجة.
— معرفش! مشردة في الشارع ولا راحت عند حد من أصحابها القدام! اتفلقت! المهم الأكل وصل والأستاذ مجدي مدير الشركة وصل تحت مع الوفد! انزل استقبلهم!
شريف بلع ريقه بحلق ناشف. كان حاسس بقلق مبهم، بس غروره وعنجهيته خلوه يقنع نفسه إن الميزانية اللي هو عملها بإيده صح، إن العجوزة دي ما كانتش بتعمل حاجة غير إنها بتراجع الإملاء!
الضيوف وصلوا. الأكل الاتطلب دليفري اتحط على السفزة بكرتونة وشكله يكسف مقارنة بالعزومات اللي كنت بسبكها وأطبخها بأيدي طوال 4 سنين.
مدير الشركة، الأستاذ مجدي، كان راجل صارم ودقيق جداً في الأرقام. بعد العشاء، قعدوا في الصالون، وشريف طالع بابتسامة عريضة ماسك الملف الجلدي:
— يا فندم، زي ما وعدت حضرتك.. الميزانية التجميعية للربع السنوي جاهزة، وأنا قعدت عليها أسبوع كامل أظبط الفروق الضريبية وأعيد هيكلة الأصول عشان نطلع من الأزمة.
الأستاذ مجدي أخد الملف، طلع نظارته، وبدأ يقلب.
داليا كانت واقفة بعيد بابتسامة نصر، فاكرة إن الليلة هتعدي وإن الأزمة انتهت، وإن أمها لما ترجع بكرة الصبح مكسورة، هيعرفوا يربوها من جديد ويخلوها تدفع ثمن الدليفري وثمن قلة أدبها في السوبر ماركت.
وفجأة.. الهدوء في الصالون انكسر بصوت ضربة إيد قوية على الترابيزة!
الأستاذ مجدي وقف، وشه كان أحمر من الغضب، وبص لشريف بنظرة نارية:
— إيه القرف ده يا شريف؟! إنت بتلعب بالنار ولا إنت مش فاهم أنت شغال في إيه أصلاً؟!
شريف اتجمد في مكانه، الابتسامة اختفت من وشه فوراً:
— يا.. يا فندم؟ فيه إيه؟ الميزانية مظبوطة!
— مظبوطة منين يا جاهل؟! إنت حاسب أصول الشركة الضريبية بنسبة خفض 40% من غير ما تخفي الالتزامات! الرقم ده لو اتبعت للهيئة بكرة الصبح، الشركة هتتقفل وإحنا هنتحول للنيابة بتهمة التزوير والتملص الضريبي! إنت مش كنت بتقول لي الشهر اللي فات إنك فاهم البند ده كويس وبتقدي فيه ملاحظات دقيقة؟! فين الملاحظات دي؟!
شريف أيده بقت ترعش، وشه أصفر، وبدأ يتلعثم:
— يا فندم.. أنا.. أنا كنت كاتب ورقة التعديلات.. كانت.. كانت هنا..
— ورقة إيه وتعديلات إيه؟! إنت الميزانية دي إنت اللي عاملها ولا حد تاني كان بيعملها لك وإنت جاي تتمنظر علينا؟!
في اللحظة دي، شريف بص لداليا.. وداليا بصت لشريف..
الفكرة ضربت في دماغهم زي الصاعقة.
الورقة البيضا الصغيرة.. الخط اليدوي الدقيق.. الملاحظات اللي كانت بتنقذ شريف كل شهر في اجتماعات مجلس الإدارة..
ما كانتش مجرد “ملاحظات إملاء”.
دي كانت خبرة 35 سنة في وزارة المالية. خبرة سعاد.. الأم اللي كانوا فاكرينها كراكيب وكبرت في السن ومالهاش لازمة غير غسيل الهدوم ومسح الأرض وتوصيل الكلب!
وفي نفس اللحظة اللي كان الأستاذ مجدي بيصرخ فيها في وش شريف وبيبلغه إما يتصرف ويجيب التعديل الصح قبل الساعة 9 صباحاً يا إما يلم حاجته مطرود ومبلغ عنه..
تليفون داليا رن.
كان رقم غريب.
داليا ردت بلهفة وصوت يرتجف:
— ألو؟ ماما؟! إنتِ فين يا ماما؟! تعالي بسرعة شريف في مصيبة!
جالها صوت هادي، بس صارم زي الحديد.. ما كانش صوتی، كان صوت المحامي عماد:
— مساء الخير يا مدام داليا. أنا عماد المحامي، الموكل الرسمي عن والدتك الأستاذة سعاد عبد الحميد.
داليا بلعت ريقها:
— عماد؟ محامي إيه وموكل إيه؟! أدينا أمي حالاً!
— والدتك مش فاضية تتكلم معاكي يا مدام داليا. والدتك حالياً في شقتها الخاصة في الزمالك بتستريح. وأنا بتصل أبلغك بثلاث قرارات رسمية أخدتها الأستاذة سعاد الليلة دي، ومسجلة قانونياً:
أولاً: أوقفت الأستاذة سعاد أي دعم مالي أو خدمات استشارية أو محاسبية كانت بتقدمها لشريف أو للبيت نهائياً واعتباراً من هذه اللحظة.
ثانياً: تم إلغاء كافة التفويضات الشفهية الخاصة باستغلال الدور الأرضي، وسيقوم محضر من المحكمة بتبليغكم بإنذار لإخلاء الدور الأرضي الخاص بوالدتكم خلال 15 يوماً أو دفع القيمة الإيجارية المثلية المحددة بـ 25 ألف جنيه شهرياً.
ثالثاً والأهم: التوكيل اللي كانت والدتك عاملاه لشريف لإدارة حساباتها القديمة تم إلغاؤه رسمياً في الشهر العقاري عصر اليوم، وتم سحب كافة الصلاحيات المالية.
عماد رد بنبرة جافة وباردة قبل ما يقفل الخط:
— والدتك قالت لي أقولك كلمة واحدة بس يا مدام داليا.. كلمة هي قالتها لك في السوبر ماركت، وبتقولهالكم تاني النهاردة:
“لأ.. ده أقل واجب عشان إنتوا كنتوا فاكرين إن مالكمش ثمن.”




