روايات وقصص

بنتي كانت ماليه 3 عربيات 1

وصلت عند باب السوبر ماركت، والباب الأوتوماتيك بدأ يفتح قدامي.

وفجأة سمعت صوت داليا عالي ورايا:

— لو خرجتي من الباب ده… ما ترجعيش بيتي تاني!

وقفت.

ثانية واحدة بس.

وبعدين كملت وخرجت.

وأنا ماشية في الشارع، وسمعت صوتها بيقل ورايا، حسيت لأول مرة من أربع سنين إني باخد نفسي براحة.

وساعتها فهمت الحقيقة اللي كنت برفض أشوفها:

أنا ما كنتش عايشة معاهم… أنا كنت اللي شايلة بيتهم كله.

بفلوسي.

وبوقتي.

وبصحتي.

وبسكوتي.

وأنا لسه ما كنتش أعرف إن خروجي من السوبر ماركت ده هيكون أول خطوة في أكبر قرار أخدته في حياتي.

لأن داليا وشريف كانوا فاكرين إن أقصى حاجة هعملها إني أزعل كام يوم وأرجع أعتذر.

لكنهم ما كانوش يعرفوا إن الليلة دي، وأنا راجعة على بيتي القديم اللي ما بقاش موجود، كان في حاجة واحدة بس أنا قررت أوقف دفعها.

مش فاتورة الكهربا.

ولا فاتورة الأكل.

ولا حتى مصاريف البيت.

حاجة كانت قيمتها أكبر من كل ده بكتير… وبدونها، حياتهم كلها كانت هتتقلب في ليلة واحدة.

هي ما كانتش تعرف إن  اللي قبل القرار.

طلعت موبايلي من الشنطة. أيدي كانت بتترعش، بس مش من الخوف، من الأدرينالين اللي بقاله سنين عماد ده ما كانش مجرد محامي، ده كان صاحب عمري أنا وأبوه حسن الله يرحمه. كان زي ابني اللي ما خلفتهوش، والوحيد اللي كان معترض أشد الاعتراض يوم ما بعت شقتي القديمة وكتبت الفلوس باسم داليا وشريف بحجة الشرا في — أهلاً يا طنط سعاد.. خير؟ صوتك مش عاجبني، إنتِ فين؟

وقفت تحت عامود نور مطفي في شارع جانبي، ونفخت نفس طويل وقلت له:

— عماد.. أنا في الشارع. وسبت داليا. ومش راجعة هناك تاني.

السكوت ساد الناحية التانية لثواني، وبعدها جاني صوته جاد وصارم:

— إنتِ فين بالظبط يا طنط؟ أنا جايلك حالاً.

— أنا جنب السوبر ماركت الكبيرة اللي في شارع الطيران. تعال خذني يا عماد.. بس قبل ما تجيلي، عايزة أسألك سؤال واحد.. الوديعة والتوكيل اللي كنت عملتهولك من سنتين، لسه شغالين؟

صوت عماد تغير، وبقى فيه نبرة ارتياح غريبة:

— الوديعة مقفولة وباسمك إنتِ وبس يا طنط، والتوكيل الرسمي العام في الشؤون القانونية والمالية معتمد وزي الفل.. إنتِ أخيراً قررتي ولا إيه؟

ابتسمت ابتسامة مكسورة تحت ضوء عربيات الشارع وقلت:

— قررت أوقف دفع الثمن يا عماد. تعال خذني.

في الوقت ده، كان السوبر ماركت في حالة هرج ومرج. داليا واقفة قدام الكاشير، وشها جايب ألوان، الطابور وراها بيطول، والنظر ات اتجمعت عليها. 3 عربيات مليانين من كل ما لذ وطاب، والناس مستنية، والكاشير واقف ماسك الإيصال ومستني الدفع.

شريف جوزها كان بيتصل بيها كل خمس دقايق:

— إيه يا داليا؟ التاكسي هيجيب الحاطة إمتى؟ زمايلي في الطريق وعزومة مديري في الشغل دي هي اللي متوقف عليها ترقيتي! الأكل جاهز؟ الحاجة اتجابت؟

داليا كانت بتحاول تجمع شتات نفسها وهي بتزعق في التليفون بصوت واطي ومختنق:

— شريف! أمك سابتني ومشيت! سابت الـ 3 عربيات واقفين ومضيتش بالكارت!

— يعني إيه سابتك ومشيت؟! هي اتجننت ولا إيه؟! أومال مين هيدفع الـ 22 ألف جنيه دي؟! أنا معاييش كاش في البيت، والكارت بتاعي مقفول عشان قسط العربية! اتصرفي! ادفعي من كارتها!

— بقولك سابتني وخرجت! خدت محفظتها ومشيت! والناس كلها بتتفرج عليا هنا!

— طب اتصرفي يا داليا! سيب المشتريات وتعالي بسرعة عشان تحضري الأكل! زمايلي على وصول!

داليا سابت العربيات في نص السوبر ماركت وخرجت تجري وهي بتغلي من الغضب. كانت حاسة بتهديد لمكانتها قدام جوزها ولشكلها قدام الناس، بس في نفس الوقت، كانت متأكدة إن أمها رجعت البيت، قاعد في الأوضة جنب الرطوبة بتعيط ومستنية الستار لما يترفع عشان تتأسف.

لكن اللي داليا وشريف ما كانوش يعرفوه.. إن الـ 21 ألف جنيه بتوع الأكل دول كانوا أصغر حاجة في القائمة.

الحاجة الحقيقية اللي أنا قررت أوقف دفعها الليلة دي.. كانت “الخدمة ” اللي شريف وداليا عايشين عليها من أربع سنين من غير ما يحسوا.

شريف كان شغال مدير مالي في شركة مقاولات متوسطة. والشركة دي كانت بتمر بأزمة، وشريف عشان يبان الخبير اللي بي نقذ الشركة، كان بياخد الملفات والحسابات المعقدة الميزانيات  ويجيبها البيت.

أنا.. سعاد.. اللي كانوا فاكرينني مجرد كراكيب في البيت، كنت رئيسة حسابات سابقة في وزارة المالية لمدة 35 سنة قبل ما أطلع معاش.

كل الميزانيات المكسورة، وكل القوائم المالية اللي شريف كان بياخد عليها مكافآت وترقيات ويتقال عليه “العبقري اللي بيحل المعضلات”، أنا اللي كنت بقعد بالساعات على مكتبه بالليل، بنظارتي القراءة، أظبطهاله، وأحل اللوغاريتمات المالية، وأعدل الأخطاء اللي كانت ممكن توديه في داهية أو تطرده من شغل.

مش بس كده..

دي الشقة اللي هما عايشين فيها، الأرضية اللي اتبنى عليها الدور الأرضي ده.. العقود بتاعتها كانت مكتوبة بشرط جزائي وبند صريح في الشراكة القانونية: “حق الانتفاع الكامل والإدارة المالية للمبنى لصالح سعاد عبد الحميد طالما هي على قيد الحياة، ولا يجوز التصرف أو استغلال العقار إلا بموافقتها الكتابية”.

هما كانوا فاكرين إن البيع كان نهایی وإن الفلوس راحت في الأرض. كانوا فاكرين إن السكوت ضعف، وإن السن كبر وخرف.

عماد جالي بالعربية. ركبت جنبه، بص لي بابتسامة دافية وقدم لي أزوزة مية وعلبة شاي يانسون مقفولة زي اللي كانت في إيدي في السوبر ماركت.

— ها يا طنط سعاد.. على فين؟ على  ولا على الفندق؟

— ولا هنا ولا هنا يا عماد. خدني على  الزمالك.

عماد بص لي بصدمة وابتسم:

— شقة الزمالك؟! إنتِ لسه مأجراها؟

— المؤجر مشي الشهر اللي فات، وأنا جددت الصيانة وقفلتها.. كنت شايلاها للزمن، والزمن جه يا عماد.

وصلنا الشقة. عماد فتح الباب، الدفء والهدوء  كانت نظيفة، الأثاث القديم العريق متغطي بالملائات البيضا.

قعدت على الكنبة، وعماد قعد قدامي وفتح شنطته الجلد:

— اتفضلي يا طنط. دي أوراق الوديعة.. فيها مليون و800 ألف جنيه، أرباح شقة الزمالك ومعاشك اللي كنتِ بتوفريه. وده توكيل الإدارة المالية الشامل. والنهاردة بالليل.. يمدينا ننفذ الخطوة الأولى.

بصيت للأوراق، ورجعت بضهري لورا، وقلت له بصوت هادي جداً:

— شريف عنده عزومة المهمة النهاردة بالليل يا عماد.. مديره في الشغل وأصحاب الشركة. شريف واخد ملف الميزانية التجميعية لشركتهم عشان يعرضه عليهم النهاردة في العزومة، الملف ده فيه غلطة حسابية  في التقدير الضريبي.. لو اتعرضت زي ما هي، شريف مش بس هيترفض.. شريف هيدخل تحت طائلة — إنتِ كنتِ بتصلحي له الحاجات دي؟

— كنت بصلحها كل مرة يا عماد. كنت بقعد من الساعة 12 بالليل لحد 4 الصبح وأنا عيني — والنهاردة؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى