روايات وقصص

عمى حكايات زهره الربيع 1

​بعد ما خلصنا أكل، شلنا الصواني ونضفنا السفرة، وعملنا الشاي وبدأنا نشرب وإحنا بنتفرج على التليفزيون وبنضحك. بصيت لعمي ولقيته قاعد مرتاح ومبسوط، فقلت أهزر معاه وأثبتله إن كلامي كان صح.

قربت منه وقولتله بضحك ومكر: “إيه يا عمي؟ حاسس بحاجة وجعاك؟ معدتك فيها حرقان؟”

استغرب سؤالي وقالي وهو بيشرب الشاي: “أبداً والله يا بنتي، ده أنا أصح يوم ليا النهاردة، قعدتكم دي بتشفي العليل.”

​ضحكت بصوت عالي وقولتله: “أصل أنا عملت حاجة ومقدرش أنام وأنا مخبياها عليك.. بصراحة، اللحمة البلدي اللي إديتهاني الحلة بتاعتها وقعت مني واتكبت، فصبيتلك من اللحم الاسكتلندي بتاعنا اللي طبخناه لينا! الحمد لله أهو إن مجالكش حرقة معدة ولا حموضة ولا حاجة، وطلعت نفسية بس!”

​كنت مستنياه يضحك، أو حتى يشتمني بهزار… بس اللي حصل كان مرعب.

الكوباية وقعت من إيد عمي اتدشدشت على الأرض. وشه اللي كان بيضحك من ثانية، لونه اتخطف.. بقى أصفر، عينيه وسعت بشكل مخيف كأنها هتخرج من مكانها، والدموع اتجمعت فيها بسرعة غريبة.

​بصلي برعب، وقرف شديد وارتجاف قال:

“إنتي… إنتي أكلتيني من اللحم اللي بجيبهولكم؟!!”

​الكل سكت. الضحك اتقطع. أنا مبقتش عارفة أنطق، مفهمتش ليه رد فعله مرعب كده. وفي ثانية واحدة، لقيته قام من مكانه زي المجنون، هجم عليا و مسكني من رقبتي، كان عايز يخنقني بجد، صوابعه كانت بتغرز في لحمي وهو بيصرخ بصوت مش صوته:

“يا بنت الكلب!! يا بنت الكلب!!”

​الكل اتفاجأ وقاموا يجروا، خالي وعيال عمتي بقوا يحوشوه عني بالعافية، وماما شدتني لحضنها وهي بتصرخ مش فاهمة في إيه. وقبل ما حد يقدر يسأله مالك، عمي سابنا، وجري زي الملسوع على الحمام…

​صوت ترجيع عنيف، متواصل .. كان بيتقيأ بقوة كأن روحه بتطلع منه، والرعب.. الرعب الصافي كان محفور على وشه بطريقة عمري، عمري ما هقدر أنساها.

خرج خالي من الحمام وهو يترجل بثقل، وجهه شاحبٌ كشواهد القبور، والوجوم يكسو ملامح الجميع في الصالة. كان عمي عبد الصمد ما يزال جالسًا على أرضية الحمام، يسند رأسه إلى الحائط البارد، وأنفاسه تتصاعد كأنها زفير محتضر. لم يكن الأمر مجرد حرقان في المعدة أو وهم نفسي كما توهمت، بل كان خوفًا هائلًا، رعبًا أعمق من الموت نفسه، حفر خيوطًا سوداء تحت عينيه وشلّ قدرته على الوقوف.

احتضنتني أمي بكل قوتها، وكانت أطرافها ترتجف وهي تمسح على رأسي وتنظر إلى باب الحمام بذهول. تساءلت عمتي بصوت يرتجف:

“ماله عبد الصمد؟ في إيه يا أحمد؟ هو اللحم فيه حاجة؟ اللحم اللي بنآكله كلنا ده فيه إيه؟”

لم يجيبها خالي، بل اكتفى بنظرة غامضة مليئة بالشك. وقف في منتصف الصالة، ثم نظر إليّ بصرامة لم أعهدها فيه من قبل، وقال بصوت خفيض:

“تعالي معايا يا بنت أخويا.”

أخذني من يدي واقتادني نحو المطبخ، وخلفنا تبعتنا أمي وعمتي، بينما ظل أبناء عمتي واقفين عند باب الحمام يحاولون مساعدة عمي عبد الصمد الذي رفض أن يلمسه أحد، وكان يئن بصوت مكتوم ويضرب رأسه بالحائط بندم وجنون.

دخلنا المطبخ، وكان البلاط ما يزال مبتلًا بآثار الشوربة وسقوط الحلة التي تسببت في هذه الكارثة. وضع خالي يده على أطباق اللحم المتبقية من العزومة، النظر إليها بعناية، ثم أخرج من جيبه كيسًا بلاستيكيًا نظيفًا، وأخذ قطعة لحم كبيرة مطبوخة ووضعها فيه، ثم أخذ قطعة أخرى نية من الثلاجة كان عمي قد أحضرها في الصباح.

قالت أمي وهي تبكي وتهتز:

“في إيه يا أحمد؟ طمن قلبي يا خويا.. هو عبد الصمد ماله؟ واللحمة دي مالها؟ مش دي اللحمة اللي بيجيبهالنا من خمس سنين؟ مش دي اللي بناكل منها كل جمعة؟”

التفت إليها خالي ونظراته حادة كالمشرط:

“اللحمة دي مش لحم بقر يا سعاد.. ولا اسكتلندي ولا بلدي. عبد الصمد بيضحك عليكم وعلينا كلنا من خمس سنين. أنا جزار قديم قبل ما أغير شغلي وأفتح الكشك، وملمس اللحم ده وأليافه وطول مدة تسويته على النار.. الحاجات دي مش طبيعية. أنا كنت شاكك من زمان، بس كنت بقول أخو جوزها وبيحن عليهم ومحبش أقطع جوابه، لكن رد فعله النهاردة قطع الشك باليقين. الراجل ده أكل حاجة هو عارف كويس أوي هي إيه.. ورعبه ده رعب واحد عارف إنه ارتكب مصيبة!”

صرخت أمي وهي تضع يديها على رأسها:

“يعني إيه؟ يعني بنآكل لحم حمير؟ ولا لحم كلاب؟ قول يا أحمد ريحني!”

رد خالي بصوت صارم:

“يا ريتها تيجي على قد الحمير والكلاب يا سعاد.. أنا هاخد العينة دي دلوقتي حالا وأطلع بيها على واحد صاحبي شغال في معمل التحاليل الطبية والبيطرية في العتبة، ه يحللها ويفحص النسيج بتاعها، وخلال ساعات هعرف الحقيقة. وإنتي.. قفلي باب بيتك، وماتخليش عبد الصمد يخرج من هنا قبل ما أرجع، أو على الأقل ما تخليهوش يلمس اللحمة دي تاني ولا يمسح أي دليل.”

في تلك اللحظة، خرج عمي عبد الصمد من الحمام، يترنح ويسند جسده على الجدران. كان وجهه مغسولًا بالماء، لكن عيونه كانت زجاجية غائرة، كأن روحًا خبيثة سكنته. تطلع فينا جميعًا بنظرة جمعت بين التوسل والغضب المكتوم. لم يقل كلمة واحدة، بل تقدم بخطوات ثقيلة نحو المطبخ.

وقف خالي في وجهه وسدّ الباب بجسده:

“رايح فين يا عبد الصمد؟”

قال عمي بصوت مبشوح ومتحشرج:

“أنا.. أنا ماشي.. تعبان شوية ورايح بيتي.”

قال خالي ببرود قاتل:

“مش هتمشي يا عبد الصمد قبل ما تفهمني اللحمة دي إيه.. وليه لما عرفت إنك أكلت منها كنت هتموت البنت؟ وليه هربت على الحمام ترجع كأنك أكلت سم؟”

ارتجفت شفتا عمي عبد الصمد، وحاول أن يبدو طبيعيًا، لكن يده كانت ترتعش بشدة وهو يحاول سحب أكمامه للأسفل:

“إنت بتهرتل بتقول إيه يا أحمد؟ أنا جالي مغص حاد.. معدتي ما بتحملش اللحم المستورد ده، أنا قايل للبنت من الأول! إنت هتعمل عليا قاضي في بيت أخويا الميت؟ ابعد عن وشي!”

حاول دفع خالي، لكن خالي كان أضخم منه وأشد بأسًا، فقبض على دراع عمي بقوة وقال:

“لو راجل ومفيش في ذمتك حاجة، اقعد واشرب كوباية شاي واستناني لحد ما أرجع من المعمل. ساعتها لو طلعت لحمة بقر زي ما بتقول، هاجي أركع تحت رجلك وأبوس رأسك وأستسمحك قدام العيلة كلها. لكن لو طلعت حاجة تانية.. حسابك معايا ومع ربنا هيبدأ النهاردة.”

تحولت ملامح عمي في لحظة خاطفة من التوسل إلى الذعر القاتل. نظرت إليه، ورأيت قطرات العرق البارد تتصبب من جبهته رغم برودة الجو. استغل لحظة ارتباك الجميع، ودفع خالي بقوة غير متوقعة، ثم كسر زجاج الطاولة الجانبية وصنع هرجًا ومرجًا في الصالة، وجري نحو الباب الخارجي. فتح الباب وخرج يركض على الدرج كالمجنون، يتهادى ويسقط ثم يقوم ليواصل الركض في ظلام الليل!

ساد الصمت البيت، صمت ثقيل ومحمل بالرعب. قعدت أمي على الأرض تصرخ وتلطم خدودها، وعمتي جلست تبكي بحرقة وهي تتذكر السنين الخمس الماضية، وكل جمعة كان يدخل علينا فيها عمي عبد الصمد وهو يحمل الكيسين الأسودين الثقيلين.

قال خالي وهو يغلق الباب بخيبة أمل ورعب:

“أنا ماشي للمعمل.. محدش يلمس حاجة في الثلاجة، ومحدش يفتح الباب لأي حد.”

مرت الساعات التالية كأنها أدهار. كان الليل يمر بطيئًا وقاسيًا. جلسنا في الصالة نتبادل النظرات الفازعة. كنت أفتكر كل مرة أكلت فيها من هذا اللحم.. طعمه الثقيل، عدم وجود أي دهن فيه، لونه الأحمر القاني الصافي، والساعات الطويلة التي كان يحتاجها على النار كي ينضج. كيف كنا نفرح بـ “الكرم” الزائف؟ كيف كنا ندعو له على موائدنا بينما كان يطعمنا من هذا السر المظلم؟

في تمام الساعة الثالثة فجرًا، سمعنا خطوات سريعة تصعد السلم. قفزنا جميعًا من أماكننا. فتحت أمي الباب بفتحة صغيرة، فكان خالي أحمد.

دخل خالي، لكنه لم يكن الخالي الذي خرج قبل ساعات. كان جسده يرتجف، وعيناه زائغتان، وفي يده ورقة مطوية يضغط عليها بيده حتى كادت تمزق. أغلقت أمي الباب خلفه وهرعت إليه:

“إيه يا أحمد؟ قول الله يخليك.. الورقة دي فيها إيه؟ اللحمة دي إيه؟”

جلس خالي على الأريكة، وسقطت الورقة من يده على الطاولة. وضع كفيه على وجهه وظل يئن بصوت مكتوم، كأنه يحاول طرد كابوس بشع من رأسه.

رفعت عمتي الورقة وقرأت المكتوب فيها، لكنها لم تفهم المصطلحات الطبية والبيطرية المكتوبة، فنظرت إلى خالي بقلة حبر:

“فهمنا يا أحمد.. المعمل قال إيه؟”

رفع خالي رأسه، ونظر إلينا بعيون مليئة بالدموع والرعب الخالص، وقال بصوت يخرج بصعوبة بالغة، كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:

“الدكتور البيطري في المعمل.. عمل تحليل للنسيج العضلي والبروتين والأحماض النووية.. قال لي إن اللحم ده مش لحم بقر.. ولا لحم جموس.. ولا لحم أي حيوان استهلاكي مألوف..”

سألت أمي بانهيار وهي تمسك بتلابيبه:

“أومال لحم إيه يا أحمد؟ خلصني!!”

صرخ خالي وهو يبكي بحرقة:

“اللحم ده.. لحم أجزاء بشرية يا سعاد!! ألياف عضلية لحيوان ثديي راقٍ.. فصيلة الإنسان!! المعمل غير مصدق، والدكتور أبلغ الشرطة فورًا وطلب مني ما أتحركش، بس أنا هربت وجيت لكم!!”

وقعت أمي على الأرض مغشيًا عليها في التو واللحظة. صرخت عمتي بصوت شق سكون الليل، بينما شعرت أنا ببرودة تسري في أطرافي، وتوقف قلبي عن النبض لثوانٍ.

أكلنا لحم بشر؟ خمس سنوات.. كل يوم جمعة.. ١٥ كيلو جرامًا كل أسبوع! من أين كان يأتي بكل هذه اللحوم؟ ومن هم الضحايا؟ ولماذا نحن بالذات؟

وفجأة، وقبل أن نستوعب الصدمة القاتلة، تعالت أصوات سرينات سيارات الشرطة في الشارع الأسفل، واهتزت العمارة بصوت ضربات عنيفة ومترادفة على باب شقتنا!

لكن الضربات لم تكن من الشرطة فقط.. بل كان هناك صوت آخر ينادي من خلف الباب بصوت مبشوح، مجنون، ومليء بالوعيد، صوت نعرفه جيدًا.. صوت عمي عبد الصمد، وهو يصيح بصوت غير إنساني:

“افتحي يا سعاد!! افتحي يا بنت الكلب.. رجعيلي اللحم!! رجعيلي اللي أكلتوه.. اللحم ده بتاعي أنا!!”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى