منوعات

حكايات اسما السيد 1

— “أنا.. هي تقدم الأدوات بنفسها.. وأنا كنت سأشتري لها غطاءً جديدًا…”

ابتسمتُ وقلت:

— “أنا لم أقدم شيئًا يا أم أمير، أنتِ من تصرين وتلظين بالطلب حتى تستحيي ابنتي ويستحي حكائي. والآن، أنا لا أطلب فقط قيمة الأضرار، بل أطلب إعادة السلم التلسكوبي والكولمان فورًا، لأنني بحاجة إليهما غدًا صباحًا.”

الزوج، ولأنه شعر بالخزي الشديد، لم ينتظر. دخل فورًا إلى المخزن الخلفي لبيته، وأحضر السلم والكولمان بنفسه، ووضعهما عند قدمي وهو يعتذر بكلمات متلعثمة. ثم أخرج محفظته، واستل منها المبلغ كاملاً، ووضعه في يدي قائلاً:

— “حقك عليّ يا أم فلان.. هذا التقرير والتلفيات سأتفل بها أنا، وأعتذر لكِ نيابة عن بيتي. ولن يتكرر هذا مطلقًا.”

أخذت المبلغ بوقار، وقلت له:

— “أنا قدرتك دائمًا يا أستاذ، وأعرف أنك رجل أصول.. لكن ما حدث لعجان أمي كان خطًا أحمر.”

نظرتُ إليها.. كانت تقف متيبسة، القهوة التي كانت ترشفها ببرود بالأمس استُبدلت بغصة علقَت في حلقها، وقد سُحبت منها كل أدوات التبجح أمام زوجها الذي أدرك مدى استغلالها وتفاهة تصرفاتها.

لكن الدرس لم ينتهِ عند هذا الحد.. كانت هذه مجرد المقدمة.

صباح الأربعاء، وقبل حفل الخطوبة بيومين، بدأت المرحلة الثانية من خطتي. كانت تعتمد بشكل كامل على ماكينة الضغط لتنظيف السجاد والحديقة، وعلى الحلة الكهربائية الكبيرة لطهي أرز العزومة، وعلى صواني الفرن الخاصة بي لخَبز الموالح.

عندما جاءت ابنتها الكبرى بكل خجل، وتطرق بابي بصوت خفيض وتقول:

— ” طنط.. ماما محتاجة بس الحلة الكهربائية الكبيرة لمدة ساعتين.. أرجوكِ.”

فتحتُ الباب بابتسامة دافئة، وقلت لها بصوت رقيق سمعته أمه الواقفة خلف الشيش ترقب المشهد:

— “يا حبيبتي، ألف مبروك للخطوبة.. لكن للأسف، بيتي وأدواته خرجت من الخدمة التشاركية تمامًا. لقد تعلمتُ الدرس مؤخرًا، وممتلكاتي أصبحت خطًا أحمر لا يُعار ولا يُستأجر. بإمكان والدتك استئجار شركات التجهيز كما يفعل الجميع.”

أغلقتُ الباب برفق شديد، ودون أي انفعال.

سمعتُ خطى الفتاة وهي تعود مسرعة، ثم صراخًا خفيضًا ومشادة كلامية اندلعت بين الجارة وابنتها. كانت في ورطة حقيقية؛ الوقت ضيق، والميزانية التي ضغطتها على حسابي اختلت تمامًا، والأدوات التي كانت تعتبرها حقًا مكتسبًا أصبحت بعيدة المنال كأنها في مجرة أخرى.

اضطرت الجارة ليلة الخميس أن تستأجر مستلزمات كاملة من شركة تجهيز حفلات بأسعار مضاعفة وفي أوقات حجة، ورأيتها بنفسي تقف في الحديقة وهي تشرف على العمال وتحمل الصواني الثقيلة بيدها، وقد انحنى ظهرها وتصبب عرقها، بعد أن كانت تعتمد عليّ وعلى جهدي وأدواتي لتجلس هي ملكة متوجة تشرب القهوة وتتطاول على الناس.

وفي يوم الجمعة، أثناء الحفل، كنت أجلس في حديقة بيتي الهادئة. العجان الكريمي كان قد عاد من عند العم يعقوب، يعمل بصوت ناعم ومحرك جديد قوي، وكأنه ينبض بالحياة من جديد. قمت بخلط قالب كيك مبهر، برائحة الفانيليا والليمون التي كانت أمي تحبها.

عندما فاحت رائحة الكيكة في الأرجاء وتخطت السور الفاصل، كانت المعازيم في الجهة الأخرى يتناولون أطعمة متأخرة باردة جاءت بها شركات التأجير الاستثماري.

خرجتُ إلى الحديقة وأنا أحمل طبقًا جميلًا فيه قطعة كيك طازجة، وقدمتها لزوجها الذي كان يقف قرب السور يرحب بالضيوف. قلت له بصوت مسموع:

— “مبارك خطوبة ابنتكم يا أستاذ.. هذه كيكة معمول بها بعجان أمي بعدما تم إصلاحه.. أحببت أن تذوقوا طعم الأصول.”

أخذ الزوج القطعة بامتنان وأكل منها وأثنى عليها بحرارة أمام حشد من أقاربه، بينما كانت هي تقف على مسافة أمتار، تنظر إليّ بوجوم ذهول، وقد فهمت أخيرًا أن الطيب ليس غبيًا، وأن الصمت لم يكن ضعفًا، بل كان مجرد استراحة قصيرة قبل أن يُلقن الاستغلاليون درسًا يظل يتردد صداه مع كل دقة موتور وكل رائحة خبيز.

 

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى