
— آه… العجان.
وبعدين كملت:
— بصراحة، إنتِ المفروض تشتري واحد جديد. الحاجة دي قديمة جدًا.
فضلت باصة لها.
قالت:
— وقف مني وأنا بعمل الكريمة، وكان عندي 11 واحد قاعدين على السفرة مستنيين الكيكة.
وخدت رشفة من القهوة.
وبعدين قالت:
— يعني شكرًا بقى على الليلة اللي باظت بسبب العجان بتاعك.
وقتها بس…
فهمت.
هي ماكانتش مكسوفة.
وماكانتش حاسة بالذنب.
ولا حتى شايفة إنها عملت حاجة غلط.
بالعكس…
كانت بتلومني أنا لأن الحاجة اللي أخدتها مني وبوظتها مااشتغلتش معاها كويس.
ساعتها عرفت إن الموضوع ماعادش مجرد جار بيستلف حاجة ويرجعها متأخر أو متوسخة.
دي كانت شايفة إن كل حاجة عندي من حقها.
وإن أنا هفضل أقول حاضر مهما عملت.
وعلشان كده…
تاني صباح، قعدت أفكر شوية.
الكاتبه_اسما_السيد
وبعدين جاتلي فكرة.
فكرة بسيطة جدًا…
لكن كنت متأكدة إنها هتعلمها درس مش هتنساه بسهولة…
”
صباح الأحد كان مختلفًا. لم أعد تلك المرأة التي تبتلع إهانتها وتبتسم كي لا تعكر صفو الجوار. الوقاحة التي واجهتني بها وهي ترشف قهوتها، والاتهام اللئيم بأن عجان أمي المفضل كان سببًا في إفساد ليلتها، كل هذا أنار في عقلي شعلة حادة من الجلاء. لم أعد غاضبة بالمفهوم التقليدي، بل أصبحت حاسمة إلى درجة المخافة.
جلسْتُ على طاولة المطبخ وأمامي العجان الكريمي القديم. أخرجت قطعة قماش مبللة بالماء الدافئ، وبدأت أنظف بواقي الكريمة الصفراء الجافة بعناية فائقة، وكأني أضمد جراح صديق قديم. كان جسد الجهاز الساخن قليلاً يروي قصة ست وثلاثين سنة من الخبز والحب والذكريات، قبل أن تطأه يد هذه المرأة الجاهلة. وبينما كنت أمسح الفواصل الصغيرة، نضجت الفكرة في رأسي تمامًا.
هي لم تكن فقط تستغل سخائي، بل كانت تتعامل مع ممتلكاتي وكأنها ملحقة ببيتها، تستبيحها وتطالبني بجودة الخدمات فوق ذلك. كانت ترى طيبتي ضعفًا، وحيائي خنوعًا. والدرس الوحيد الذي يفهمه هذا النوع من البشر، ليس المواجهة الزاعقة التي تمنحهم دور الضحية، بل أن تضعهم وجهًا لوجه مع أنانيتهم وتجعلهم يدفعون ثمنها كاملاً.
أول ما قمت به كان حصر كل ما استعارته مني خلال الأشهر الماضية. لم تكن مجرد أدوات، بل كانت منظومة كاملة اعتمدت هي عليها لتقليل مصاريف بيتها وتسهيل حياتها على حساب جهدي وممتلكاتي. السلم التلسكوبي، ماكينة غسيل الضغط، الحلة الكهربائية، جهاز البخار، الكولمان الكبير، وصينية الفرن الثقيلة.
ابتسمت بسخرية. جارتي هذه كانت ترتب لمناسبة كبيرة يوم الجمعة المُقبل، عرفت ذلك من ابنتي التي سمعتها تتحدث في الهاتف على السور الخشبي للحديقة. كانت تقيم حفل خطوبة ابنتها الكبرى في حديقة منزلها، وكانت تخطط لإعداد كل شيء بنفسها لتوفير تكاليف شركات التنظيم، مستندة بشكل كلي وجاد على “مخزن أدواتي”.
قمت من مكاني بثبات. ذهبت أولاً إلى ورشة صيانة الأجهزة الكهربائية في آخر الشارع. حملت العجان بين يدي كأنني أحمل تحفة أثرية. الفني المتقاعد، العم يعقوب، الذي يعرف أمي منذ تسعينيات القرن الماضي، فحص الجهاز ورفع نظارته:
— “هذا الموتور من الطراز القديم الأصيل يا ابنتي.. المرأة التي استخدمته حشترت فيه عجينًا سميكًا أو ضغطت عليه وهو متوقف، مما أدى لكسر الترس الداخلي واحتراق السلك الرئيسي. إصلاحه ممكن، لكنه سيحتاج قطع غيار أصلية سأحضرها مخصوصًا، والتكلفة لن تكون قاطعة البساطة.”
كتبت لي الفاتورة الأولى باسمها، وطلبت من العم يعقوب تقريرًا فنيًا مكتوبًا يدويًا ومختومًا يوضح سبب العطل بوضوح: “سوء استخدام ناتج عن الضغط الزائد والمفاجئ على أجزاء الحركة”.
عدت إلى البيت، وبدأت الخطوة الثانية. لم أذهب للتطاول عليها، بل استغللت نقطة ضعفها الأكبر: صورتها الاجتماعية أمام أهل الحي وزوجها المحافظ الذي لا يعلم شيئًا عن سلوكياتها الطفيلية.
مساء الاثنين، انتظرت حتى رأيت سيارة زوجها تقف أمام البيت. كان رجلًا هادئًا، يكره المشاكل، ويعتز بسمعته جدًا. أخذت معي ملفًا أصفر صغيرًا وضعْتُ فيه كل شيء: تقرير الفني المكتوب لتقييم تلف العجان، مع قائمة دقيقة بجميع الأدوات التي أخذتها هذا العام والتواريخ التي استعارتها فيها، مع صور كنت قد التقطتها للصينية المخدوشة وجهاز البخار المفقود غطاؤه بمجرد عودتهما لي سابقًا.
مشيت بخطوات وثيقة عبر الحديقة الصغيرة. خبطت على الباب بثقة.
فتحت هي، وبمجرد أن رأتني، ضيقت عينيها بتبرم وأرادت أن تتحدث بتلك النبرة المتعالية ذاتها، لكن زوجها أطل من خلفها ورحب بي بتهذيب:
— “أهلاً يا أم فلان.. خير، هل هناك أي مشكلة؟”
قبل أن تنطق هي بحرف، ابتسمت برفق وقلت له بنبرة هادئة ومسموعة:
— “مساء الخير يا أستاذ. لا يوجد مشكلة إن شاء الله.. أنا فقط جئت لأمر بسيط يتعلق بالأدوات التي تستعيرها أم أمير بشكل دوري لتجهيز عزائمكم ومناسباتكم.”
تغير وجهها فورًا، وانقبضت ملامحها. حاولَت التدخل:
— “أنا لم…”
قاطعتها بنفس الهدوء، وأنا أفتح الملف أمام زوجها:
— “أنت تعلم يا أستاذ أن العجان الكهربائي الذي استعارته أم أمير الثلاثاء الماضي هو إرث أمي رحمها الله، وهو جهاز ثري وله قيمة عاطفية لا تُقدر بثمن. للأسف، الجهاز تعطل كليًا أثناء استخدامها له، وتركتْه أمام باب بيتي في العراء دون علمي وهو بحالة سيئة. هذا تقرير الصيانة الفنية، وتكلفة قطع الغيار التي دمرت بسبب الضغط الزائد هي ألفا جنيه.”
اتسعت عينا الزوج بذهول، وتطلع إليها بنظرة نارية. حاولت هي التلعثم:
— “هو.. هو كان قديمًا وأصلاً على وشك التلف!”
رددت عليها بصوت خفيض ونبرة ثاقبة وأنا أنظر في عينيها مباشرة:
— “الجهاز كان يعمل بكفاءة كاملة لمدة 36 سنة، ولم يشتكِ إلا عندما دخل بيتك. وعلى كل حال، الفني كتب في التقرير الرسمي سبب التلف، ولن أقبل بتقليل قيمة ممتلكاتي.”
ثم التفت للزوج وأكملت بمودة مصنعة:
— “ولأنني أعرف حرصك على الأصول يا أستاذ، فأنا هنا أيضًا لأعيد ترتيب الأوراق. هذه قائمة بالأدوات الأخرى: ماكينة غسيل الضغط أُعيدت بخرطوم مكسور وتكلف إصلاحها 500 جنيه، جهاز البخار عاد بدون الغطاء المقاوم للحرارة وثمنه 300 جنيه، وصينية الفرن الإيطالية عادت مخدوشة بسكين حاد ولا تصلح للاستخدام الآدمي وتكلفتها 800 جنيه. الإجمالي ثلاثة آلاف وستمائة جنيه.”
ساد صمت خادق في المدخل. كان وجنتا جارتي تحترقان حمقًا وخجلًا، بينما كان زوجها يزداد جمودًا ورعبًا من الفضيحة أمام الجارة التي طالما احترمها.
قال الزوج وهو يلتفت إليها بصوت كالرعد الخفيض:
— “هل هذا الكلام صحيح؟ هل تأخذين أغراض الناس وتردينها مكسورة وتتركينها على أبوابهم؟”
حاولت أن تدافع عن نفسها بصوت مرتعش:




